ضافر الصدر بين الحركية الاجتماعية والهوية الشيعية لإنتاج مقاربة شيعية متميّزة للنقاش السياسي؛ مقاربة تستجيب بإخلاص للأهداف القومية للعرب، لكنها تؤكّد في الوقت عينه على مصالح الشيعة. وقد كان ناجحًا إلى حد بعيد في إعطاء الشيعة اللبنانيين هوية سياسية جديدة تختلف عن القومية العربية ذات القيادة السنّية، وسيرًا على خطاه، تخلّى شيعة لبنان عن ولائهم الأعمى للقضية العربية؛ وعوضًا عن ذلك، طالبوا بالاعتراف بهم وبحقوقهم كشيعة لبنانيين. وقد استطاعوا من خلال تنظيم صفوفهم سياسيًا ولالتفاف حول مليشياتهم المسلحة أن ينتزعوا حقّ التصرّف بمصيرهم. وكان الأثر الذي تركه الصدر فيهم من العُمق بحيث صار الناس في نواحٍ من لبنان يقلّدونه في لكنته الفارسية. لقد أضحى الصدر ومليشياه أمل ـ التي كانت تقدّم كذلك خدمات اجتماعية وتعمل كمنظمة سياسية في آن ـ بمثابة منارة للصحوة الشيعية وحامل لواء التحدّي الشيعي للقصة الخيالية الواهية عن الوحدة العربية الجامعة والواقع الاسمنتي الصلب للهيمنة السنّية معًا. لا بل إن الصدر كان مصدر إلهام للشيعة في أماكن أخرى من المنطقة. ففي سبعينيات القرن العشرين، قامت معسكرات حركة أمل بتدريب عراقيين وإيرانيين وسعوديين ونشطاء شيعة عرب آخرين. بل إن مفارز الحرس الثوري الإسلامي الإيراني تمّ، في واقع الأمر، تنظيمها وتشكيلها لأول مرة على أيدي الكوادر المتمرسين في معسكرات التدريب التابعة لحركة أمل. ص (108 ـ 109)
جاء أول هجوم علني على العقيدة الرسمية للقومية العربية من جانب شيعي لبناني هو فؤاد عجمي. ففي كتابه"الورطة العربية"، ولحقًا في السيرة المشبوبة بالعاطفة التي وضعها لموسى الصدر بعنوان"الإمام المختفي"، انتقد عجمي بشدّة الادّعاءات الضمنية والوعود المُعلنة للقومية العربية". ص (109) "