فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 86

شكّلت السنوات التي أمضاها ذو الفقار علي بوتو في السلطة (1971 ـ 1977) أوج النفوذ الشيعي في باكستان وذروة الوعد بقومية إسلامية جامعة حاضنة للجميع. لكن البلاد التي بناها محمد علي جناح وحكمها ذو الفقار علي بوتو كانت تحوّلت مع الزمن إلى بلاد سُنّية من حيث وعيها بنفسها. والهوية السنّية التي اكتسحت باكستان لم تكن، فوق ذلك، من الصنف الصوفي المسالم، بقدر ما كانت من النوع الحادّ وغير المتسامح أبدًا. هذا المزيج من العلمانية والشعبوية الاستبدادية التي لا ترحم ـ سقط أخيرًا في انقلاب عسكري قاده جنرالات متديّنون من السُنّة تحت تأثير أصوليين متشدّدين. وفي شهر نيسان/ إبريل 1979، شنقت الدولة بوتو بعد أن وجَّهت إليه تُهمًا بالقتل مشكوكًا فيها. وكان الجنرال السنّي محمد ضياء الحقّ، المدعوم بقوة من الأحزاب الأصولية السنّية، هو الذي أمر شخصيًا بتنفيذ حكم الإعدام، حتى بعدما أوصت المحكمة العليا الباكستانية بإبدال عقوبة الإعدام بالسجن المؤبد.

أنهى انقلاب عام 1977 التجربة الباكستانية مع القومية الإسلامية الجامعة. صحيح أن الساسة والقادة العسكريين وكبار رجال الأعمال الشيعية لم يختفوا عن المسرح، غير أن"أسلمة"البلاد بشكل دؤوب (والأسلمة هنا تعني تغليب المذهب السُنّي تحديدًا) . جعلت باكستان تبدو أكثر فأكثر أشبه بالعالم العربي حيث السُنّة يتبوّؤُون المراتب العليا والشيعة يُدفعون إلى الهامش بالتدريج. أجل، إن باكستان تلخّص، ومن نواحٍ عديدة، جوهر التبدّل السياسي الذي واجه الشيعة ما زال: الدولة الحديثة تراوغهم بوعودها وفي ظنّهم أنها قومية علمانية جامعة، في حين أنه واقعة عمليًا تحت الهيمنة السُنّية. ص (83 ـ 86)

وفي العالم العربي، تعلّم الشيعة الدرس القاسي، وهو أن الأنظمة والأيديولوجيات العلمانية قد تأتي وتذهب، لكن أشكال التحيُّز والافتئات السُنيّة لا تحول ولا تزول. ص (86)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت