وأقبل الشيعة كذلك على اعتناق الفكرة القومية بحماسة لافتة. في أعقاب الحرب العالمية الأولى، تمّت صياغة هويات قومية جديدة ـ وفي بعض الحالات من فراغ ـ وذلك لتحديد أُطر النضال ضد الاستعمار، وتقرير طابع الدولة القومية الذي ينبغي ارتداؤه. بالنسبة للشيعة، ولاسيما عندما يكون هؤلاء أقليّة، كانت القومية العلمانية هوية جامعة، شاملة، كونها تعرّفهم تعريفًا يرتفع بهم فوق المماحكات الجدلية القديمة، ويساويهم بالسُنّة في أعين الأمة. لقد عجز الشيعة عن الاستحكام بالعالم الإسلامي أيديولوجيًا أو سياسيًا، وكابدوا آلام ومخاطر التهميش. وها هي الدولة الحديثة تُريهم سبيل التقدم إلى الأمام من دون حمل وزر هويتهم الدينية. في إيران، لم يكن للقومية تلك الدلالات والتضمينات، لأن الشيعة يشكّلون الغالبية العُظمى. لكن حيث كان الشيعة أقلية أو محكومين من قبل السُنّة، فقد راقت لهم الفكرة القومية بالطريقة ذاتها التي تجتذب بها الأيديولوجيات الجامعة أبناء الأقلّيات، منقادين وراء وعود التكافؤ والمساواة. لهذا السبب اعتنق الشيعة القومية العربية، والقومية الباكستانية، فضلًا عن الوطنية العراقية أو اللبنانية، متخيّلين في كل حالة من تلك الحالات مجتمعًا لا أهمية فيه للفوارق بين السُنّة والشيعة. وهكذا حمل العالم الحديث معه، في جلبابه القومية على الأقل، الوعد القاطع بإنهاء قرون من التحيّز والتعصب المؤلم. ص (78 ـ 83)