ومما تجدر الإشارة إليه أن الشيعة العلمانيين ليسوا هم من استفادوا إلى أبعد حدود الإفادة من التغييرات الطارئة على المجتمع والسياسة الشيعيين، بل رجال الدين أو العلماء. ففي لبنان، الذي ازداد بروزًا ونفوذًا كان الإمام موسى الصدر، ولاحقًا زعماء معمّمين كمحمد حسين فضل الله، وحسن نصر الله زعيم حزب الله. وفي جنوب وشرق العراق حدثت عملية مماثلة. ذلك أن الإصلاح الزراعي الذي طُبِّق في أواخر عقد الخمسينيات من القرن الماضي حرّر الفلاحين الشيعة من سطوة الوجهاء السياسية. وإذا بمدينتَيْ بغداد والبصرة وغيرهما تتضخم سكانيًا على غرار ما حصل لبيروت، كيف لا والنزاعات وأعمال الاضطهاد وارتفاع معدل المواليد دونما توقف والبطالة الضاربة أطنابها في المناطق الريفية ... الخ، دفعت بالملايين من الشيعة إلى خارج المزارع وحتى من القرى نفسها. خرج هؤلاء الناس في سيلٍ متصلٍ نحو الضواحي الشاسعة والبائسة كحيّ الزعفرانية جنوبي بغداد، أو مدينة الصدر، ذلك الحيّ الشيعي المترامي الأطراف الذي يلتف حول العاصمة العراقية من الجهتين الشرقية والشمالية. فلم تعد لفقراء بغداد أو البصرة في أقصى الجنوب أية صلة بعد الآن السلطة المتخشّبة في مزارع أسلافهم وأهوارهم. أما الخدمات الاجتماعية التي هم بأمسّ الحاجة إليها حيث هم في أحياء الصفيح، فجاءتهم عبر جهود زعماء دينيين من أمثال أية الله محمد صادق الصدر (الذي أعدمه صدّام حسين عام 1999، وهو والد مقتدى الصدر) . وبالنتيجة، حين انهار نظام صدّام أمام الدبابات الأميركية، لم يكن عالم الرياضيات المتحوِّل رجل سياسة أحمد الجلبي، أو الطبيب المتحول ناشطًا سياسيًا إياد علاّوي، من برز لقيادة الشيعة، بل الصدر والسيستاني ورجال الدين من"المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق".