هذه السيرورة هي التي غيّرت السياسة الشيعية في لبنان خلال عقد السبعينيات من القرن العشرين. في ظل النظام السياسي الطائفي المعمول به في لبنان، كانت تجري قسمة الغنائم بين الطوائف، وكان ملاك الأراضي من الشيعة، من أمثال آل الخليل وآل الأسعد وآل الزين، يمثّلون صوريًا كل الشيعة، وإنْ كانوا في واقع الأمر يحمون مصالحهم الخاصّة ليس إلاّ. وقد أدّى تفاقم التوترات من كل لون وشاكلة في جنوب لبنان إلى إطلاق موجة نزوح شيعية واسعة إلى أحياء الفقراء الواقعة جنوبي بيروت، فيما غادر العديد من الشيعة الأكثر يُسرًا البلاد بحثًا عن مستقبل مشرق لهم ولأولادهم في إفريقيا وأميركا اللاتينية والولايات المتحدة. التحوّل الاجتماعي والهجرة ساهما معًا في إرخاء قبضة الوجهاء والإقطاعيين. فقام الإمام موسى الصدر، الزعيم الديني للطائفة، بجمع شمل المتشرذمين القاطنين في سهل البقاع غربي البلاد وفي جنوبها أيضًا، ونظَّمهم في إطار حركة سياسية جديدة سُمِّيت بـ"حركة المحرومين"، وهي التي أضحت في سبعينيات القرن العشرين الصوت الجديد للشيعة في الحياة السياسية اللبنانية. وعندما اندلعت الحرب الأهلية عام 1975، أفسحت حركة المحرومين في المجال لمنظمة سياسية وميليشيا باسم"أمل"*. وهذه الأخيرة هيمنت على السياسة الشيعية إلى حين بروز"حزب الله"في ثمانينيات القرن العشرين بدعم سوري وإيراني. أما أمل، فصارت حزب كثيرٍ من التجّار الشيعة اللبنانيين في فريتاون وأكرا وكينشاسا وديترويت الكبرى؛ وثراء هذه الجاليات في الشتات بات عنصرًا ماليًا مهمًّا في السياسة الشيعية اليوم.