إلى الجنوب من طهران، وفي مكان ليس ببعيد عن ضريح أية الله الخُميني، يقوم مزار صغير مقدَّس عند الشيعة، لكنه لا يستقبل إلاّ النساء فقط. إنه مقام السيدة (بيبي) شهربانو. وشهرة المقام متأتية من سخاء البركات التي يُسبغها على زائراته المتوسّلات به؛ وكذلك لأنه مدفن الأميرة شهربانو، ابنة آخر ملوك الفُرس، يزدجرد الثالث، وزوجة الأمام الحسين. ينهض المزار على قمة رابية تطلّ على أفقر الأحياء السكنية المنتشرة جنوب العاصمة طهران. والمرء ليشقّ طريقه إليه ببطء ومشقة نظرًا لوجود مئات النسوة المتجمّعات حول قبر الأميرة باكيات ضارعات، وهن يتطلّعن بلهفة إلى السلوان والشفاء والعطف. إن زواج الإمام الحسين من ابنة آخر ملوك الساسانيين ـ والتي هي بطبيعة الحال والدة الإمام الشيعي الرابع* ـ ليرمز في نظر الإيرانيين إلى الاقتران الوثيق ما بين إيران والتشيُّع. ص (59)
والحال أنه لم يكن هناك الشيء الكثير مما يُمكن تسميته خلافة حقيقية حتى يتصارع الشيعة والسُنّة عليها في القرن السادس عشر. فما ورثه العثمانيون لم يكن مؤسّسة بكامل اشتغالها بقدر ما كان الزعامة الرمزية البحث للعالم السُنّي. وقد كان الصراع عمليًا بين المطالب المتنافسة بالحقّ في بسط السلطة السُلالية والإمبراطورية الشيعية من جهة، والسُنية من جهة مقابلة، على المنطقة بأوسع نطاقها. وقد كان الصفويون من أصحاب التطلّعات الشيعية إلى الهيمنة الإقليمية، فمثلت السلالة الصفوية نوعًا جديدًا من الحامل للطموح الشيعي. ص (61)