المعرفة بحال اهل الجاهلية تظهر عظمة ما عند المسلم من هذا الرصيد العظيم الذي جعل الله فيه صلاح الدنيا والآخرة، ولهذا قال رحمه الله تعالى: فالضدُّ يُظهِر حسنَه الضدُّ، وقد قال عمر رضي الله عنه: (إنما ينقض الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية) [1] ، فالذي لا يعرف أمور الجاهلية وخطورتها قد تدخل عليه وهو لا يشعر، ولهذا فمعرفة ما عليه أهل الجاهلية فيه هذه الفائدة ولكن لا شك أن الأصل هو تعلم الحق وتقريره وتبيينه فبعد ذلك يتعرف طالب العلم على الباطل ليحذره، وقد ثبت أن حذيفة رضي الله عنه قال - كما في الصحيحين: «كان الناس يسألون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر؛ مخافة أن يدركني» [2] ، وفي بعض الروايات أنه قال: «وكنت أعلم أن الخير لن يفوتني» [3] يقول: الخير سأعلمه، لكني كنت أخشى أن أقع في الشر، ولذا قال الشاعر: (عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه، ومن لا يعرف الخير من الشر يقع فيه) ، فالذي لا يعرف الشر يقع في بعض الأحيان في الشر لأنه لا يدري أنه شر.
فالحاصل أن مقدمته رحمه الله فيها بيان لسبب تصنيف الكتاب، فالمصنفون قد يذكرون سبب التصنيف، وأسباب التصنيف كثيرة، فمما ذكره المصنف هنا رحمه الله تعالى أن يُعرف أمرُ الخصال هذه حتى يُعرف حُسن ضدها وهو خصال الحق وخصال الإيمان.
فإن انضاف إلى ذلك استحسان ما عليه أهل الجاهلية تمت الخسارة كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِالله أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [4] .
(1) أورده ابن القيم رحمه الله في كتابه (الفوائد) (ص109) .
(2) صحيح البخاري (3606) .
(3) رواه الطبراني في المعجم الأوسط (7343) .
(4) العنكبوت: 52.