الصفحة 11 من 402

فهل يُستكثر على من وصفوا في كتاب الله تعالى بأنهم أضل سبيلا من الأنعام هل يستكثر عليهم بأن يوصفوا بأنهم من أهل الجاهلية؟ نعم؛ هم من أهل الجاهلية، الجاهلية الجزئية - كما قلنا - توجد في بعض الأماكن، وتبقى مسألة ينبغي أن يضبطها طالب العلم في موضوع الجاهلية الجزئية؛ وهي أنه قد توجد خصلة من خصال الجاهلية في الرجل من أهل الإسلام؛ يكون الرجل مسلما لكن فيه خصلة من خصال أهل الجاهلية، دل على هذا حديث أبي ذر رضي الله عنه، فمع أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر» [1] إلَّا أنه مرة اختصم مع بلال رضي الله عنهما، وكان بلال رضي الله عنه أسودا من الحبشة، فقال له أبو ذر رضي الله عنه: (يا ابن السوداء) يعني أن أمك لونها أسود، فقال له عليه الصلاة والسلام: «يا أبا ذر، أَعيَّرته بأمه؟!» جاء في بعض الروايات أنه قال: «من سب الرجال سبوا أباه وأمه» قال: «إنك امرؤ فيك جاهلية» ، قال: «أعلى هذا السن مني يا رسول الله؟» [2] يعني: بعد هذا العمر، وبعدما أسلم - لأن أبا ذر أسلم قديما رضي الله عنه -، قال: «نعم، إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم» ، فأبو ذر رضي الله عنه لما قال صلّى الله عليه وسلّم هذا المقال أحسن التأدب رضي الله عنه وأرضاه، لأنه قال صلّى الله عليه وسلّم: «فمن كان أخوه تحت يده؛ فليطعمه مما يطعم وليلبسه مما يلبس» [3] فكان يُلْبِسُ غلامه كما يلبس هو، فإذا لبس ثوبا ألبس غلامه مثلَه، وإذا سئل - لأن العادة أن الإنسان قد يصطفي لنفسه اللباس الأحسن، ويبقى أمر نفقته على مولاه ومن تحت يده لا يلزمه أن يلبسه اللباس الأوفى والأحسن، تلزمه كسوته؛ لكن الكسوة أمرها واسع، فكان يُلبسه كما يلبس رضي الله عنه تخلصا من خصلة الجاهلية.

(1) صحيح. رواه الترمذي في سننه (3801) ، انظر صحيح الجامع الصغير (5538) .

(2) صحيح البخاري (6050) .

(3) صحيح مسلم (1661) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت