الحال الثاني: الجاهلية الجزئية، هذه الجاهلية تكون في أماكن معينة لا يصل إليها نور النبوة، قد تكون هذا الأماكن واسعة وفيها خلق كثير، كالوضع في البلاد الغربية والشرقية من بلاد الكفر، فالوضع في بلادهم - كما تقدم - وضع جاهلية، وإن بلغوا في العلوم الدنيوية ما بلغوا، فالمُسمَّى الشرعيّ لهم أنهم أهل جاهلية، قال الله عزّ وجلّ: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [1] ، فالجهل الحقيقي هو الجهل بالله عزّ وجلّ والجهل بالأمر الذي خلق الإنسان لأجله، أما مجرد بلوغ الإنسان في أمر معاشه كل مبلغ؛ فذلك لا يعني أنه ليس من أهل الجاهلية ما دام أنه قد أعرض عن ربه تعالى، فوصف الجاهلية لا يرفع عنه وإن وصل في أمور الدنيا ما وصل، الأمر كما قيل: «أبني إن من الرجال بهيمة في صورة الرجل السميع المبصر، يدري إذا كان المصاب بماله وإذا كان يُصاب بدينه لا يشعر» [2] فهمهم أموالهم ومآكلهم ومشاربهم ومناكحهم كما تعيش البهائم، أما أمور دينهم ولماذا خلقهم الله تبارك وتعالى فلا يرفعون به رأسا، لا شك أن هذا الوضع وضع جاهلية، ولا غرابة في تسميتهم بهذا فقد سمى الله عزّ وجلّ كثيرا من الجن والإنس باسم لزمهم إلى يوم القيامة، قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ} [3] هذا الصنف من الجن والإنس سماهم الله تعالى بهذا الاسم {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [4]
(1) الروم:7.
(2) يُنسبُ هذا البيت إلى أبي عمرو بن العلاء، كما في تاريخ دمشق لابن عساكر (365/73) .
(3) الأعراف:179.
(4) الفرقان: 44..