وهناك سؤال آخر يرد على الذهن: لماذا امر رسول الله ان يتولى غسلَه رجال من اهل بيته ؟ ألعلمه بانه سيكون هناك خلاف حول الخلافة بعد موته فأراد ان ينشغل اهلُ بيته بغسله وتكفينه ليصرف عنهم الخلافة ؟ لا أرى بأسا من تبني هذا الرأي اذا اصر الشيعة على القول بأن الرسول (( ) اراد ببعثة اسامة ابعاد كبار الصحابة عن المدينة لأخلاء الجو لعلي (( ) فهذا من ذاك ، ولا فرق بينهما ، فاما ان نرفضهما جميعا او نقبلهما جميعا ولا مرجح لأحدهما على الاخر .
لقد ظهرت عبقرية ابي بكر بجلاء في حادثة السقيفة كما ظهرت عليه آثار التربية النبوية فاستطاع بصدق لهجته وقوة حجته ان يبدد تلك المخاوف في كلمة قصيرة صادقة ألقاها على مسامع الانصار ، فما لبثوا بعدها ان سارعوا الى مبايعته لما لمسوه من صدق لهجته وقوة دليله ولثقتهم بأنه الصدّيق الذي لايخلف وعده. لقد غلب ابو بكر سعدا بمنطقه الايماني لا بعشيرته ولا بأتباعه فهو كما قلنا لم يكن معه في ذلك المجلس سوى عمر وابي عبيدة .
نعم هنا تجلت عبقربة وكفاءة ابي بكر , وهذا يُعدّ بحق من اعظم مواقفه التى وقفها في نصرة الاسلام اضافة الى مواقفه الاخرى التي تعد كل واحدة منها مفخرة من مفاخره: فوقوفه الى جانب الرسول ( في مكة و تصديقه اياه حين كذّبه قومه ثم هجرته معه و تكريسه لماله و اهله لخدمة الرسول ثم وقوفه في الناس خطيبا بعد وفاة الرسول يبين لهم الحقيقة و مقولته المشهورة( من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات و من كان يعبد الله فأن الله حيٌّ لا يموت ) ثم وقوفه في وجه المرتدين، و تجهيزه لجيش اسامة ، وشروعه في الفتوحات الاسلاميه ،و نشره للاسلام ثم جمعه للقران الكريم و اخيرا توليه لعمر بن الخطاب الفاروق الزاهد العابد العادل ، كل هذه تعد من مفاخره ومن أفضاله على هذه الامة رحمه الله رحمة واسعة ورضي عنه ورفع درجته في اعلى عِلِّيين.