اما دلالة السقيفة على عدم وجود نص أو بيعة ،أو كليهما ، وعدم وجود نائب للرسول فواضح ، لأنه لو كان هناك شيء من ذلك القبيل لما اجتمع الناس في السقيفة بل اجتمعوا حول علي مباشرة وانتظروا اوامره وتعليماته ، ولما انشغلوا بالبحث عمن يولونه أمرهم . هذا ما يقتضيه العقل والمنطق ، وهذا الذي كان يحدث في الماضي ويحدث في الحاضر وفي المستقبل ، فعند موت رئيسس، أي رئيس ، سواءا كان رئيس دولة أو رئيس قبيلة ، ووجود نائب معين له ، لا يذهب الناس الى بحث مسألة الرئاسة بل يلتفون حول نائبه ويسلمون له القياد وفق دساتير البلاد وأعراف القبيلة ولا يجرؤ احد على الخروج على تلك الدساتير أو الاعراف والتقاليد إلاّ إذا قلنا أن مجتمع الرسول كان فوضى لا يحكمه لا دستور ولا قانون ولا أعراف ، وانه كان أقل شأنا وأقل تنظيما حتى من أشد التجمعات البشرية بداوة ! ولكن الواقع لا يقول بذلك، بل يقول بعكسه تماما ، وهو أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنشأ مجتمعا حضاريا راقيا مدركا اشد الادراك لمعاني العقود الاجتماعية والسياسية ولمعاني البيعة والطاعة ولمعنى ولي الامر والامير ..الخ ، وقد احدث نقلة نوعية في ذلك المجتمع ورفعه ليس على المجتمع العربي المحيط به، بل وعلى كل المجتمعات السائدة في ذلك العصر بما فيها الفرس والروم صاحبتي الحضارة والامبراطورية ، وجعل منهم اساتذة الانسانية ، ليس لذلك العصر فحسب بل لما تلتها من العصور ، وكان هذا وراء اسراع الامم الى اعتناق الاسلام بمجرد دخول الاسلام الى بلدانهم .
إذًا فاسراع الانصار الى الاجتماع في السقيفة كان سببه عدم وجود نائب معين من قبل الرسول ، ولو كان هنالك شيء من ذلك لما فعلوا ما فعلوه.
هذه بعض دلالات اسراع الانصار الى الاجتماع في السقيفة ومن ثم مبايعة ابي بكر ، فكلها كما رأيت امور مهمة تعطي صورة مضيئة لذلك المجتمع الذي انشأه رسول الله (( ) ، ولنتحدث بقليل من التفصيل عن هذا الامر: