ولكن على الرغم من كون دعوات التقارب فيها تجدد الأمل بلمِّ الشمل ونبذ التفرق، إلا أني وجدت في بعضها دخنًا؛ لأن المرددين لها دُخَلاء كانوا من ذوي الأغراض والأهواء لتحقيق مآربهم، إذ لم يكن ترديدهم لتلك الصيحات نابعًا من ألمهم على أمة الإسلام وحالها الممزق، وإنما رددوها من أجل نشر أفكارهم وكسب أكبر عدد من المسلمين إلى الاعتقاد بمذاهبهم، مستغلين احترام المسلمين وإقبالهم -بقلوبهم وأبدانهم- على من ينادي بالتقريب، حتى إذا ما أقبل الناس عليهم بدأوا يعرضون أفكارهم ومعتقداتهم بتدرج وخفاء خطوةً خطوةً، لاسيما والغالبية العظمى من المسلمين ليس عندهم تصور وإحاطة بالمذاهب وتقويمها من حيث الاستقامة والاعوجاج، فكانت النتيجة أن تحولت صيحة التقريب عند هؤلاء إلى وسيلة- بعد أن كانت غاية بل وأمنية يحلم بها كل مسلم صادق في دينه- لاستدراج أتباع المذاهب الأخرى إلى مذهبهم.
وخير شاهدٍ على ما أقول هو ما قام به علماء الأمامية من اتخاذهم من دعوة التقريب وسيلة لنشر معتقدهم بين صفوف أهل السنة واصطيادهم بحبائله.
ومع أن الأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا [1]
(1) فها هو فيلسوفهم وشهيدهم مرتضى مطهري يؤكد أن هدفهم الأساسي من مشروع التقريب والوحدة الإسلامية هو نشر أفكارهم ومعتقداتهم بين صفوف أهل السنة، فقال في كتاب"الإمامة" (ص29،28) : [إن ما ننتظره على خط الوحدة الإسلامية أن ينبثق محيط صالح للتفاهم المشترك لكي نعرض ما لدينا من أصول وفروع، تضمّ ما نحمله من فقه وحديث وكلام وفلسفة وتفسير وأدبيات، بحيث يسمح لنا ذلك الجو أن نعرض بضاعتنا بعنوان كونها أفضل بضاعة، حتى لا يبقى الشيعة في العزلة أكثر، وتنفتح أمامهم المواقع المهمة في العالم الإسلامي، ثم لا تبقى الأبواب مغلقة أمام المعارف الإسلامية الشيعية النفيسة] .
ثم أكّد مطهري أن الهدف من التقريب- وهو نشر معتقدهم بين أهل السنة- هو الذي كان يسعى لتحقيقه آيتهم العظمى البروجردي، واعترف بأنه قد حققه بنجاح، فقال (ص30) : [ما كان يُفكّر به المرحوم آية الله العظمى البروجردي على الخصوص، هو إيجاد الأرضية المناسبة لبثّ معارف أهل البيت ونشرها بين الإخوة من أهل السنة، وكان يعتقد أن هذا العمل لا يكون إلا بإيجاد أرضية التفاهم المشترك، والنجاح الذي أحرزه المرحوم البروجردي -جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء- في طبع بعض كتب الفقه الشيعي في مصر من قبل المصريين أنفسهم، إنما كان على إثر هذا التفاهم الذي انبثق، وكان ذلك أهمّ نجاح حققه علماء الشيعة] .
وها هو كاتبهم جعفر الشاخوري البحراني يدعو كُتّاب الإمامية إلى ترك الهجوم المباشر على أهل السنة وخصوصًا الخلفاء في كتاباتهم؛ لأنها تُنفِّرهم، ويدعوهم إلى اتباع الأسلوب الهادي المغلف بشعارات الوحدة والأخوة الإسلامية ودعاوى التقريب، وذلك لنجاح هذا الأسلوب في اختراق أهل السنة وتحويل الكثير منهم إلى معتقد الشيعة الإمامية، ثم أخذ يشيد بالنجاح الذي حققه عبد الحسين شرف الدين صاحب المراجعات في هذا الاختراق حين اتبع هذا الأسلوب فيقول في كتابه"مرجعية المرحلة وغبار التغيير" (ص228) : [ومن الجدير ذكره هنا، أن مثل هذه المؤلفات التي تركز كل جهودها على إبراز مساوئ رموز السنة حتى الأمور الخلقية والأمور العادية التي لا ربط لها بالتاريخ، تتسبب في نفور الناس من التشيع، على العكس من الكتابات المتوازنة ككتاب المراجعات (للسيد شرف الدين) ومعالم المدرستين (للسيد مرتضى العسكري) حيث إنها تسببت في انتشار الفكر الشيعي بشكل واسع؛ لأن القارئ السني عندما يجد فيها الموضوعية واللغة الهادئة، فسوف تنفتح شهيته على قراءتها ودراستها] .
نعم والله لقد نجحوا في نشر مذهبهم بين صفوف أهل السنة وتمرير مخططهم تحت شعار التقريب ورفع لافتة الوحدة الإسلامية، إذ يخرج علينا بين فترة وأخرى كتاب مليء بالطعن والتشويه للإسلام ورجالاته يدّعي فيه كاتبه بأنه اعتنق مذهب الإمامية بعد أن كان من أهل السنة على التسليم بصحة دعواه.