ولا يفوتنا أن نذكر أيضًا ما أسهم به المستشرقون في هذا الميدان، فإن فلهاوزن - الذي يبدو أنه تأثر غاية التأثر بآراء غلاة الشيعة والخوارج- يقرر أن (بدء الخلاف في الإسلام الثورة على عثمان، في سبيل الله ضد الخليفة، ومن أجل الحق والعدل ضد فساد الحكم وظلمه. وهي كلمات لم تستعمل ضد عثمان وحده، بل ضد كل حاكم يضل عن سواء السبيل) [22] .
ولكن ما يؤخذ على فلهاوزن هنا أنه قرر هذه النتيجة كمسلمة وضعها في بداية بحثه عن (الخوارج والشيعة) دون أن يحلل لنا الأسباب التي استند إليها ولا شك أنها طريقة تجافي المنهج العلمي. ومع هذا فلا تستغرب صدور مثل هذا الحكم منه، لأنه قد يكون صادقًا عن نية مبيتة للتعريض بالإسلام وأهله، فهو الذي يغمز في تصرف الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفسه في موضوع تقسيم الغنائم) [23] .
أما جولدتسيهر فإنه لم يجد مناصًا من إنصاف عثمان فيقول: (من الإجحاف أن نتهم عثمان بضعف الإيمان أو بفتور الحماس للإسلام) [24] .
ويجمع الخوارج على اختلاف مذاهبهم وتعددها، على تكفير علي وعثمان والحكمين وأصحاب الجمل وكل من رضي بتحكيم الحكمين. ويضيف الأشعري إلى هذا أنه فضلًا عن تكفير كل هؤلاء فإن الخوارج يضيفون إليهم كل من صوب الحكمين أو أحدهما [25] . ولكن النَّظّام (231هـ- 845م) لم يصل إلى هذه الدرجة من العلو، وانحصر فيما عابه على عثمان من تصرفات، إيوائه الحكم بالمدينة، واستعماله الوليد بن عقبة على الكوفة حتى صلى بالناس وهو سكران، والاستئثار بالحمى [26] . ولعل أقصى ما يثير دهشة الباحث وسط كل هذه الفرق، من أنكر حادثة قتله بالغلبة والقهر، فكأنهم يستكثرون عليه استشهاده على هذا النحو الذي يرفع من شأنه، فينزعون عنه هذه الفضيلة، بزعمهم أن شرذمة قليلة قتلته بغتة ومن غير حصار مشهور، وهم أتباع هشام بن عمرو الفوطى (226هـ- 840م) [27] .