إن أبرز ظاهرة يقابلها الباحث في خلافة عثمان هي هذا العدد الكبير من الأخطاء التي نسبت إليه للنيل منه والطعن في إمامته، فكأن واضعوها تعقبوه في كل تصرف من تصرفاته ليحسبوا عليه الهنيات، ويظهر القصد المتعمد في الطعن على غير أساس إلا العناد، في موقف كتخلفه عن بيعة الرضوان مثلًا، الذي كان هو نفسه سببها - كما سيتبين لنا عند سردها في موضعها -.
هذا إلى جانب ما يلاحظ من اصطباغ تاريخ الخلافة منذ هذا العهد بالعنف وإراقة الدماء فكانت فاتحة للمآسي أخذت تترى، وظهور الخلافات العنيفة بين الفرق الإسلامية في معتقداتها وأفكارها.
ويرى أهل السنة أن عثمان قتل شهيدًا مظلومًا، وأن ما قيل عنه من تصرفات قام بها هي محض افتراء. يقول الأشعري: (وأنكر قوم عليه في آخر أيامه أفعالًا فيما نقموا عليه من ذلك مخطئين وعن سنن المحجة خارجين، فصار ما أنكروه عليه اختلافًا إلى اليوم، ثم قتل رضوان الله عليه، قتله قاتلوه ظلمًا وعدوانًا، وقال قائلون بخلاف ذلك، وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم) [19] .
وعلى هذا النهج يمضي أهل السنة فيكذبون أغلب هذه الوقائع، إما لأنها سردت مرسلة، أو أنها أخبار آحاد، أو لضعف سندها، مع إلقاء العبء على التاريخ لأنه (يسطر ما يملي عليه المجتمع، وكان مجتمع عثمان ساخطًا ثائرًا فأحصيت عليه هذه التوافه وجعلت أحداثًا جسامًا وقع من أجلها أخطر انقلاب عرفه التاريخ) [20] .
أما التعليل الذي يورده الجاحظ (255هـ- 868م) فيذهب فيه إلى أن الذي عظم صغيرًا ما كان من أمر عثمان، أنه كان مسبوقًا بعمر بن الخطاب الذي عرف بشدة الرأي والخشونة واليقظة وتقيده تقييدًا شديدًا. بمذهب صاحبيه قبله، ولهذا قيل: (ما قتل عثمان غير عمر) ، لأن الفرق كان كبيرًا بين طريقة عمر بن الخطاب في الحكم وطريقة عثمان [21] .