أما إذا اضطروا إلى ذكرها، فإن الدافع حينئذ هو أنه (إذا ظهر مبتدع يقدح فيهم بالباطل فلا بد من الذب عنهم وذكر ما يبطل حجته بعلم وعدل) [107] . وهنا يظهر المذهب الوسط لأهل السنة في أجلى صورة.
عثمان ونظرية خلع الإمام:
بعد أن انتهينا من إيضاح رد أهل السنة على الشبهات التي ألقيت على إمامة عثمان، ينبغي أن نتناول الموضوع من جانب آخر، لنرى إلى أي مدى يحق قتله وما هو موقف أهل السنة من خلعه، وهل يتفق الذي أقدم عليه الثائرون مع نظرية خلع الإمام؟ أول ما يلاحظ أن الوفود التي تأثرت بالفتنة عندما ذهبت إلى الخليفة الثالث تطلب طرد عامله على مصر ابن أبي سرح، رجعت من حيث أتت راضية مطمئنة. وهو ما يدل دلالة قاطعة على استجابة عثمان للرأي العام ورغبته في علاج أسباب الشكوى، فلم يتعنت مصرًا على موقفه، فاختار لهم محمد بن أبي بكر حسب اختيارهم. وقد رفض عثمان بإباء أن يدافع عن أحد ممن حوله وأمرهم جميعًا بأن يلقوا السلاح، كما رفض أن يترك دار هجرته وجوار الرسول صلوات الله عليه، فكان يضع نصب عينيه اتقاء شر الفتنة وما تجره على المسلمين، وتجمع أغلب المصادر على ذكر هذه الحقائق [108] مما دفع ببروكلمان إلى إقرار هذه الحقيقة فقال: (مما لا شك فيه أن الخليفة أنكر أنه علم بالرسالة التي أطلعوه عليها، ولكنه طولب بالتنازل عن الحكم. وقد رفض هذا التلميح بكرامة، وحوصر في بيته الذي تحرسه أقاربه وبعض العبيد والموالي) [109] .