ويبدو أن موقف الشيعة والخوارج من عثمان، وإدخال هذه الشبهات ضمن المسائل الجدلية التي تحفل بها كتبهم، أدى إلى أن يجاريهم أهل السنة فيدافعون عن عثمان بنفس الحرارة، حتى أدخل الجدال في كتب علم الكلام، إذ يتناولونه بالمناقشة والنقد والرد كما يفعلون في المسائل الاعتقادية سواء بسواء، ولكن دون المساس بعلي أو الطعن فيه، فعلي عندهم له الفضائل والمعارف التي تفوق المألوف، وهو (رباني هذه الأمة) كما لقبه الحسن البصري، وهو أيضا (أنشودة الإسلام الكبرى، لأنه كان خليقًا بكل محبة وإجلال وبكل صورة للهيام والعشق في قلوب المسلمين) [103] .
وعملًا بطريقة أهل السنة في الجدال، ينسب ابن حزم الفضائل إلى المسلمين الأوائل جميعًا، منذ بداية عهد المهاجرين والأنصار، إلى بيعة الرضوان؛ لأئهم مؤمنون صالحون كلهم، ماتوا على الإيمان والهدى والبر، مستشهدًا بالآية: ? لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ? [الفتح: 18] .
فالاختلاف إذًا واضح بين هؤلاء وأولئك، ففريق يسرف في التجريح والخصومة ويصل يها إلى أبعد مدى كما ذكرنا، بل ويفخر الخوارج (بقتل عثمان ويرون أن الإقرار بهذا العمل الذي كان حجر الزاوية في الثورة هو بمثابة الشهادة) [104] . وفريق أهل السنة الذي (أعلن الحب وتولى الجميع) [105] ، فينظرون إلى الصحابة نظرة متسامحة تتفق مع روح الدين وتعفو عن الهنات إن وجدت باعتبارها مواضع اجتهاد. وإذا اضطروا إلى الالتجاء إلى منهج المقارنة بين الصحابة، فعلوا ذلك للرد على الخصوم فحسب، لا لغرض آخر، وبرفق لا يلبث أن يقدم عنه الاعتذار، بل ويفضلون عدم الخوض في الخلافات التي نشبت بينهم. قال عمر بن عبد العزيز: (تلك دماء طهر الله منها يدي فلا أحب أن أخضب بها لساني) [106] .