إنه لأمر يدعو إلى التساؤل: كيف جمع الشيعة، أو الخوارج أو هما معًا - لأن أغلب المراجع لا يبين لنا مصدرها - هذا الحشد الكبير من التهم الموجهة إلى عثمان، فنزعوا بها عنه عل فضيلة، ولم ينسبوا إليه قط أية حسنة، بل وقلبوا الفضائل إلى رذائل، وموضوع جمعه للقرآن. وجعلوا من خصومتهم للخليفة الثالث موضوع جدل أدخلوه ضمن حجاجهم العقائدي.
ويبدو لأول وهلة من مجرد تجميع هذه الأفعال المنسوبة إليه، والتي نقموا عليه من أجلها، وطعنوا في إمامته بسببها أن هذه العملية قد بلغت حدًا يفوق التصور، إذ لم يميزوا بين الحسن والسيء من الأفعال، بل كان الغرض حشدها وتجميعها، وفيها ما يعتبر من مفاخر عثمان لدى أهل السنة عند نسبتها إليه، فقد أخفى خصومه فضائله في الفتيا والرواية والجهاد في سبيل الله وانفراده بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بايع عنه وحده بيساره عن يمين عثمان في بيعة الرضوان كما ذكرنا، وله هجرتان وسابقة وصهر مكرر، لقب من أجله بذي النورين، وهو معدود من أهل بدر، ولو لم يحضرها.
ويذكر له ابن حزم أيضًا فتوحاته في الإسلام، وعدم تشبثه بسفك دم مسلم، وهو من المبايعين تحت الشجرة الذين بشرهم الله تعالى: ? فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ? [الفتح: 18] ، مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعمار والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم [100] .
وهكذا، جمع ابن حزم - كما يفعل أهل السنة - بينهم جميعًا كصحبة واحدة فاضلة مع أن لعثمان خصلتين ليستا لأبي بكر ولا لعمر، صبره على نفسه حتى قتل، وجمعه الناس على المصحف [101] . وهو الذي قال عنه سيد التابعين - سعيد بن المسيب (93هـ-709م) : (قتل عثمان مظلومًا، ومن قتله كان ظالمًا، ومن خذله كان معذورًا) [102] .