إن هذا الخبر قد أنكره الكثيرون قائلين أن الحكم استأذن في الخروج إلى أهله فأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما حدث اختلاف في رواية الطرد، منها أنه كان يحاكي الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مشيته أو يحاكيه خلف الصفوف [55] .
وروي أيضًا أن عثمان طلب رده من أبي بكر وعمر لأنه كان قد استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأذن له، ولكن الخليفتين طلبا منه شاهدًا آخر معه، فلما لم يجد هذا الشاهد وولي الحكم بعد ذلك رده بعمله وهو مما يجوز له فعله كحاكم [56] .
وما كان عثمان ليصل مهجور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو كان أبوه، ولا لينقض حكمه [57] .
ولا يكتفي ابن تيمية بالطعن في مصادر الخبر، لأنه ليس في الصحاح ولا يعرف له إسناد، بل يحلل معناه، ولا يراه طردًا من مكة إلى المدينة - إن صحت الرواية - لأن الحكم بن العاص كان من مسلمي الفتح وكان ابنه مروان صغيرًا إذ ذاك، ولم يكن الطلقاء يسكنون بالمدينة في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن صح الطرد فقد يكون طرده من مكة لا من المدينة وإن طرده من المدينة لنفاه إلى مكة، كل هذا مع أن كثيرًا من أهل العلم طعنوا في صحة الرواية قائلين أنه ذهبت باختياره. ويقول: (وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عزر رجلًا بالنفي لم يلزم أن يبقى منفيًا طول الزمان فإن هذا لا يعرف في شىء من الذنوب ولم تأت الشريعة بذنب يبقي صاحبه منفيًا دائمًا بل غاية النفي المقدر سنة وهو نفى الزاني والمخنث حتى يتوب) [58] .