وأما ما روي أنه حرق المصاحف إذ كان في بقائها فساد، أو كان فيها ما ليس من القرآن، أو ما نسخ منه، أو على غير نظمه فقد سلم في ذلك الصحابة كلهم باستثناء ما روي عن ابن مسعود أنه خطب بالكوفة فقال: (أما بعد فإن الله قال: ? وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ? [آل عمران: 161] وإني غال مصحفي، فمن استطاع منكم أن يغل مصحفه فليفعل) . وقد أكرهه عثمان على رفع مصحفه ومحا رسومه فقم تثبت له قراءة أبدًا. ونصر الله عثمان والحق بمحوها من الأرض [45] .
ويضيف الباقلاني إلى ذلك أن ما حمل عثمان على حرق المصاحف، لو صح الخبر لفعل ذلك للمصاحف التي حوت ما لا تحل قراءته، ونظرًا لكون عثمان من أهل العلم غير معاند للنبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه يجب أن يكون قد حرق ما يجب إحراقه ولم يرو عن أحد من الصحابة أنه استنكر هذا العمل منه بل شاهدوه دون أن يعترضوا عليه (وقد ثبت عدالة عثمان وطهارته، فلا متعلق في ذلك) [46] .
4-حمى الحمى:
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اختص الحمى بإبل الزكاة المخصصة للجهاد والمصالح العامة حيث قال: (لا حمى إلا لله ورسوله) ، وقد استمر الحال كذلك في خلافة أبي بكر، ثم اتسع الحمى في زمن عمر بن الخطاب، ونهج عثمان منهجهما لاتساع رقعة الدولة وازدياد الفتوحات في عهده. وقد دافع عثمان عن نفسه في مسألة الحمى أمام جمع من الصحابة فأعلن لهم أنه اقتصر في الحمى على صدقات المسلمين لحمايتها، أما دفاعه عما قد يلصق به في هذا الموضوع، فقد أوضح لهم أنه كان أكثر العرب بعيرًا وشاة، ثم أمسى وليس له غير بعيرين لحجه. ثم سأل من يعرف ذلك من الصحابة فأيدوه على صدق حديثه (ولهذا فإن عثمان زاد فيه لما زادت الرعية، وإذا جاز أصله للحاجة إليه جازت الزيادة لزيادة الحاجة) [47] .