وهكذا امتثل الأنصار لدعوة أبي عبيدة حين اعترف بفضل الأنصار من حيث إنهم أول من نصر وآزر فلا يصح أن يكونوا أول من يبدل ويغير. ولم يتخلف أحد عن بيعة أبي بكر من الأنصار سوى سعد بن عبادة وهو الذي يمثل المعارضة العنيفة في الاجتماع وكان يطلب استخلافه الأمر بدلًا من أبي بكر. أما تأخر على بن أبي طالب عن البيعة فسنبحثه في موضعه.
هذه هي ملامح اجتماع السقيفة التي تكاد المصادر السنية تتفق في إيراد تفاصيلها. ومن المهم أن نعرض الملاحظات التي نستطيع أن نستقيها من اجتماع السقيفة فيما يلي:
أولًا: أنه أول اختلاف يحدث بين المسلمين عقب انتقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى، فهو كما يصفه الإمام أبو الحسن الأشعري (330- 1901م) بأنه (أول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد نبيهم - صلى الله عليه وسلم - اختلافهم في الإمامة [4] . ولكن الاختلاف هنا كان سياسيًا محضًا وليس دينيًا، ولم يتسع لأكثر مما حدث وبيناه آنفًا إذ سرعان ما عاد عامل الدين بسلطانه القوى فأدى دوره في تهدئة النفوس والمبايعة لأبي بكر.
ثانيًا: تمت البيعة لأبي بكر بالإجماع، فيما عدا سعد بن عبادة - الذي كان يطلب الولاية لنفسه، ولهذا يقول القاضي عبد الجبار: (وقد قال شيخنا أبو على ما يدل على أن خلاف سعد لا يؤثر، أنه إنما خالف على سبيل طلب الإمامة لنفسه وقد صح كونه مبطلًا في ذلك) [5] .
ثالثًا: لم يتم الأمر لأبي بكر بالعنف أو الإكراه وإنما كان نتيجة مناقشة مفتوحة بين المهاجرين والأنصار، وأتيحت الفرصة كاملة لكلا الفريقين ليدلي برأيه في حرية تامة.