وإذا قال الشيعة أن أبا بكر استحل الأمر لنفسه بالرغم من اعترافه بأن له شيطانًا يعتريه فإن هذا أيضًا لا يقلل من استحقاقه للخلافة لأن الآيات القرآنية مليئة بذكر الشيطان، وإقرار الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن ما من أحد إلا وله شيطان، وأن أبا بكر باعترافه بوسوسة الشيطان يطلب من المسلمين أن يتقوا وقت غضبه الذي يأتيه بفعل الشيطان وبسببه.
ويفند الباقلاني سبب قول أبي بكر: (وليتكم ولست بخيركم) على أوجه عدة. منها: أنه ليس بخيرهم قبيلة وعشيرة، أو يجوز عليه الخطأ والسهو مما يجوز عليهم فهو معصومًا، أو أن الله هو الذي فضله عليهم وهو ليس بخيرهم. وأخيرًا قد يقصد أن هناك من هو أفضل منه ولكن الإجماع انعقد عليه هو (لكي يدلهم على جواز إمامة المفضول عند عارض يمنع من نصب الفاضل) [28] .
أما قوله: (أقيلوني، أقيلوني) فدليل على عزوفه عن الخلافة وعدم السرور بها، لأنه إذا أظهر السرور قد يلقى في ظنهم السوء. وإذا طعن الشيعة في أبي بكر استنادًا على قول عمر: (إلا أن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقي الله شرها) فمردود أيضًا، لأن عمر كان يعتقد أن أبا بكر هو المبرز بالفضل على المسلمين جميعًا حينئذ وهو يستحقها بهذا السبب (وأن من بعده متقاربون في الرتبة والفضل لا يستحقونها على ذلك الوجه ولذلك جعلها شورى في ستة) [29] .
أما القاضي عبد الجبار فقد أورد دفاع شيخه أبي علي، إذ يرى الثاني أن الفلتة ليست هي الذلة والخطيئة وإنما تعني البغتة من غير روية أو مشاورة، ويقصد عمر بقوله: (من عاد إلى مثلها فاقتلوه) أن من عاد إلى الطريقة التي تمت بها البيعة لأبي بكر من غير مشاورة أو عذر ولا ضرورة ثم طلب من المسلمين البيعة فينبغي قتله [30] . فالواقع أن البيعة يجب أن تتم بعد مشاورة واتفاق دون استبداد، أما إذا بايع رجل الآخر بغير رجوع إلى الجماعة الإسلامية فإن معنى هذا تظاهر منهما بشق عصا الطاعة والخروج عن الجماعة.