وبمعارضة هذين الرأيين، يقيم الدكتور الريس رأيه على أساس جديد، وهو أن هناك حكمة من عدم تقييد الجماعة الإسلامية بقوانين جامدة لا تتفق مع التطورات إذ أن المشرع (حرص أن تظل القوانين الإسلامية مرنة حتى تعطي مرونتها الفرصة للعقل للتفكير وللجماعة أن تشكل نظمها وأوضاعها بحسب المصالح المتعددة) [23] . وسنجد عند تناولنا لهذه الناحية من موضوع الإمامة - أي نقض فكرة النص التي يذهب إليها الشيعة - أن أهل السنة تخلصوا من كل ما من شأنه أن يجعل من هذا الموضوع قيدًا للمسلمين كما فعل الشيعة بعقائدهم عن أمثال فكرة النص أو الوصية أو العصمة.
ويتفق الشيخ أبو زهرة أيضًا فيما ذهب إليه الدكتور الريس لأن الإسلام في رأيه يقوم على أصول ثلاثة هي: العدالة والشورى والطاعة في طاعة الله، وبذلك استوفت الشريعة الدعائم التي يقوم عليها الحكم الإسلامي ولا ضرورة لتعيين النبي - صلى الله عليه وسلم - طريقا محددًا لاختلاف الشعوب ونظمها) [24] .
خطبة أبي بكر: مغزاها وصداها عند الشيعة:
اشتملت خطبة أبي بكر بوجه عام على آيات بالغة من الحكمة وسداد الرأي وتمسك بالدين وحث على الجهاد في سبيل الله، وإرشاد المسلمين إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، ويعنينا أن نقتطف منها القواعد الأساسية التي قيد أبو بكر لها نفسه، فقد اتخذ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدوة. وقد اتضح لنا من الفصل السابق أن المسلمين الأوائل كانوا يبايعونه - صلى الله عليه وسلم - على المبادئ المحددة التي ذكرناها، مع حرصه صلوات الله عليه على طلب الشورى في معالجة شئون دنياهم فيما لم يخبر به الوحي، وسنلاحظ هنا أن أبا بكر تعهد في خطبته على اتباع نفس المنهج لا يحيد عنه قيد أنملة.