ولعل في محاولة أهل السنة إثبات هذه الواقعة يحمل في طياته نفيهم القاطع لوجود النص على إمامة علي، وبالتالي تقويض أساس المذهب الشيعي في الإمامة وإحلال نظريتهم في القول باختيار الإمام محلها.
وتنقل لنا المصادر السنية أنه حدث اختلاف أثناء مرض الرسول - صلى الله عليه وسلم - في وجوب تنفيذ رغبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو الامتناع عن ذلك إشفاقًا عليه من المعاناة في كتابة هذا الكتاب وهو طريح الفراش. ولسان حالهم يقول: (عندكم القرآن حسبنا كتاب الله) ، فلما زاد اختلافهم ولغطهم أمرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمغادرة المكان. ويعلق على ذلك ابن عباس بقوله: (إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم) [17] .
ويستنتج ابن خلدون من هذه الحادثة أن أمر الإمامة لم يكن مهمًا لأن الإمامة من المصالح العامة المفوضة إلى المسلمين كافة، ولم يستخلف فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأنها أقل أهمية من الصلاة، فإن إمامة الصلاة تأتي في المرتبة الأولى قبل الاستخلاف، ولهذا السبب استدل الصحابة في شأن أبي بكر باستخلافه في الصلاة على استخلافه في الإمامة بقولهم: (ارتضاه رسول الله لديننا أفلا نرضاه لدنيانا؟) ، ويؤكد ابن خلدون ذلك بقوله: (فلولا أن الصلاة أرفع شأنًا وأكثر خطرًا من السياسة لما صح القياس) [18] .
أما ابن تيمية فقد زاد على ذلك بما يراه من أن الإمامة ليست أهم مطالب الدين، بخلاف ما يراه الشيعة، ويقيم رأيه على عدة براهين منها:
أولًا: أن الإيمان بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - في كل زمان ومكان أهم من مسألة الإمامة، ذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أمر بأن يقاتل الكفار حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسوله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.