الصفحة 19 من 269

ومن هنا ندرك لماذا اعتبر ابن الجوزي هذا الحديث من الأحاديث الموضوعة، وإن كانت الروايات في جملتها كما يبدو لنا لا تجعل الحديث ينزل إلى درجة الموضوع. وفي فيض القدير شرح الجامع الصغير ذكر الحديث من مسند الإمام أحمد، ومعجم الطبراني رواية عن زيد بن ثابت، وصحح الحديث السيوطي والمناوي، وقال المناوي: (قال الهيثمي: رجاله موثقون، ورواه أيضًا أبو يعلى بسند لا بأس به، والحافظ عبد العزيز بن الأخضر وزاد أنه قال: في حجة الوداع، ووهم من زعم وضعه كابن الجوزي. قال السمهودي: وفي الباب ما يزيد على عشرين من الصحابة) . اهـ.

وتحدثنا من قبل عما رواه الإمام أحمد عن زيد بن ثابت، وبينا ضعف الإسناد، وبالنظر فيما رواه الطبراني نجد موطن الضعف نفسه، فهو من رواية القاسم بن حسان، فقول الهيثمي يعني توثيق القاسم.

وما ذكره عن حجة الوداع هنا بيناه من قبل، فالتصحيح إذن غير مقبول، غير أننا قد نوافق على عدم جعل الحديث من الموضوعات، ومع هذا فابن الجوزي قد يكون له ما يؤيد رأيه، فليس من المستبعد أن يكون الحديث كوفي النشأة، وأن يكون مصنوعًا في دار الضرب التي أشار إليها الإمام مالك، ومن هنا يمكن أن ينسب إلى عشرين من الصحابة رضي الله عنهم بل إلى سبعين. غير أنه لم يصح عن صحابي واحد. ولو صح عن صحابي واحد لكفى؛ إلا أن يكون ممن لا يستحق شرف الصحبة.

ولعل من المهم هنا أن نذكر أن الإمام أحمد بن حنبل، وهو ممن أخرج الحديث، ذكر أنه ضعيف لا يصح، فهو إذن غير صحيح النسبة إلى أي من الصحابة الكرام. وشيخ الإسلام ابن تيمية رفض هذا الحديث وقال: (وقد سئل عنه أحمد بن حنبل فضعفه، وضعفه غير واحد من أهل العلم وقالوا: لا يصح) ( [17] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت