ثم لما انقضى عصر الصحابة الذي تجسدت فيه الوحدة الإيمانية القوية ارتفعت رؤوس الفتنة وانطلقت ملئ أعنتها وذرت قرون الفرقة فظهرت الانحرافات العقدية والبدع في العبادات ، وانتصب لترويجها فرق ضالة حظيت بدعاة يدعون إلى أباطيلها ، وتفرقت الأمة شيعًا وأحزابًا ، كل حزب بما لديهم فرحون ، لكن الله لما وعد بحفظ هذا الدين وبقاء طائفة على الحق منصورة قيض علماء ربانيين قاموا بحماية العقيدة الصحيحة ، وذادوا عن حياضها ، وقمعوا البدعة وأهلها وتصدوا للرد على شبهات المبطلين فهتكوا أستارهم وكشفوا عوارهم ، وأفردوا لذلك رحمهم الله مصنفات ومؤلفات تفخر بها المكتبة الإسلامية ، فلله درهم ما أعظم دورهم في استقامة هذه الأمة على نهج نبيها ، وما أروع جهادهم الذي خاضوه ضد دعاة الضلالة ،
قال الإمام أحمد - رحمه الله - في رسالة بعث بها إلى مسدد عندما سأله عن أمر الفتنة وما وقع فيه الناس من الاختلاف في القدر والرفض والاعتزال وخلق القرآن ... قال: (( الحمد لله الذي جعل في كل زمان بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى وينهون عن الردى ، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه ، وكم من ضال قد هدوه ، فما أحسن أثرهم على الناس ، ينفون عن دين الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا أعنة الفتنة ، مختلفين في الكتاب ، يقولون على الله وفي الله - تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرا - وفي كتابه بغير علم ، نعوذ بالله من كل فتنة مضلة ... ) ) [1] .
(1) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص 317 ، وانظر طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 1 / 342 .