وأكبر تَجَلٍّ للنظام الشيعي في المغرب كان خلال الحكم العبيدي، وهؤلاء العبيديون الذين نسبوا أنفسهم إلى فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم وتسموا بالفاطميين، هم من الشيعة الإسماعيلية. تشكلت معالمها الفكرية والعسكرية في المغرب الإسلامي على يد رجل اسمه ميمون القدّاح، وكان ظهوره في سنة ست وسبعين ومائتين من التاريخ للهجرة النبوية، فنصب للمسلمين الحبائل وبغى لهم الغوائل ولبس الحق بالباطل {وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر: 10] ، وجعل لكل آية من كتاب الله تفسيرًا، ولكل حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تأويلا، وزخرف الأقوال وضرب المثال، وجعل لآي القرآن شكلا يوازيه ومثلا يضاهيه. وكان الملعون عارفًا بالنجوم معطلا لجميع العلوم {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف: 8] . فجعل أصل دعوته التي دعاها وأساس بِنْيَتِه التي بناها الدعاء إلى الله وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحتج بكتاب الله ومعرفة مثله وممثليه والاختصاص لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بالتقديم والإمامة والطعن على جميع الصحابة بالسب والأذى، وكان داعيًا من دعاة الإسماعيلية؛ وهي طائفة تجعل الإمامة في إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهي قسيم الفرقة الموسوية (نسبة إلى موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر) وسُمّيت بالإسماعيلية نسبة لإسماعيل، وتُسمى بأسماء مختلفة مثل السبعية (لقولهم بالأئمة السبعة من علي إلى إسماعيل بن الحسن بن علي بن أبي طالب) . وتسمى كذلك بالباطنية لعدة أسباب مجتمعة، منها: باطنية عقيدتهم ووجوب كتمانها، وقولهم: إنّ للشريعة ظاهرا وباطنا، وهما مختلفان في الحقيقة، ولقولهم: إنّ حق تفسير النصوص الشرعية هو للإمام المستور (إسماعيل بن جعفر) ، وهي كلها تفسيرات لمعنى واحد.