وقال أبو العباس القرطبي/: @إن الورود على هذا الحوض، والشرب منه، إنما يكون بعد النجاة من النار، وأهوال القيامة، لأن الوصول إلى ذلك المحل الشريف، والشرب منه، والوصول إلى موضع يكون فيه النبي^ولا يمنع عنه، من أعظم الإكرام، وأجل الإنعام، ومن انتهى إلى مثل هذا كيف يعاد إلى حساب، أو يذوق بعد ذلك تنكيل خزي وعذاب؟! فالقول بذلك أوهى من السراب! [1] .
الثاني: أن الحوض يكون قبل الصراط، وهذا ظاهر صنيع كثير من العلماء في تأليفهمحيث يُقدمون ذكر الحوض على الصراط، فمنهم: من يجعله بعد الشفاعة كالإمام اللالكائي في كتاب الاعتقاد، والأشعري في الإبانة، والآجري في الشريعة، وأبو داود في سننه، وابن حزم وغيرهم، وهم يشيرون في هذا الترتيب إلى أن الخلق يَرِدون الحوض بعد طول القيام في الموقف وهم عطاشى، فيكون ورودهم مناسبًا لحالهم. والله أعلم.
ومنهم: من يجعله قبل الشفاعة وبعد القيام من القبور حيث يخرجون من قبورهم عطاشى فيردون الحوض، كابن حبان، وابن أبي عاصم، وابن ماجه، وهؤلاء لا يذكرون بعد الحوض الصراط أو الميزان، وبعضهم: يذكر بعده الصراط والميزان كالأصبهاني في الحجة ومنهم: من يطلق فيجعله قبل الصراط كالقرطبي في التذكرة، وشيخ الإسلام في الواسطية، رحم الله الجميع.
قال القرطبي /منتصرًا لهذا القول: @ذهب صاحب القوت وغيره: إلى أن حوض النبي^إنما هو بعد الصراط، والصحيح أن للنبي^حوضين، أحدهما: في الموقف قبل الصراط، والثاني: في الجنة، وكلاهما يسمى كوثرًا على ما يأتي، والكوثر في كلام العرب الخير الكثير، واختلف في الميزان والحوض أيهما قبل الآخر، فقيل: الميزان قبل، وقيل: الحوض، قال أبو الحسن القابسي: والصحيح أن الحوض قبل.
(1) المفهم 6/91.