الصفحة 39 من 847

إلى أن أقر بأنه رضي الله عنه قد فقد السيطرة عليهم، فنراه يقول: أيها الناس: إنه لم يزل أمري معكم على ما أحب حتى نهكتكم الحرب، وقد والله أخَذَت منكم وترَكت، وهي لعدوكم أنهك، ولقد كنت أمس أميرًا فأصبحت اليوم مأمورًا، وكنت أمس ناهيًا فأصبحت اليوم منهيًا ( [112] ) .

فهل ترى من كل هذا مكانًا للعصمة التي يدعيها القوم له رضي الله عنه؟

فإن أبى القوم إلا غياب ذلك عن الأصحاب، فهاكها من أهله بل ومن أصحاب الكساء رضي الله عنهم، فها هو ابنه الحسن رضي الله عنه لما كان ما كان من أمر خروج طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم بكى بين يدي أبيه، وقال: يا أمير المؤمنين، إني لا أستطيع أن أكلمك وبكى، فقال له أبوه: لا تبك يا بني، وتكلم ولا تحن حنين الجارية، فقال: يا أمير المؤمنين، إن القوم حصروا عثمان يطلبونه بما يطلبونه إما ظالمين أو مظلومين، فسألتك أن تعتزل الناس وتلحق بمكة، ثم خالفك طلحة والزبير، فسألتك أن لا تتبعهما وتدعهما، وأنا اليوم أسألك أن لا تقدم العراق وأذكرك بالله أن تقتل بمضيعة، فقال أمير المؤمنين: أما قولك: إن عثمان حصر، فما ذاك وما علي منه، وقد كنت بمعزل عن حصره، وأما قولك: ائت مكة، فوالله ما كنت لأكون الرجل الذي يستحل به مكة، وأما قولك: اعتزل العراق ودع طلحة والزبير، فوالله ما كنت لأكون كالضبع تنتظر حتى يدخل عليها طالبها فيضع الحبل في رجلها حتى يقطع عرقوبها ثم يخرجها فيمزقها إربًا إربًا ( [113] ) .

وفي أحد مواقف صفين رأى الحسن من أبيه رضي الله عنهما تهورًا، فقال له: ما ضرك لو سعيت حتى تنتهي إلى أصحابك، فقال: يا بني، إن لأبيك يومًا لن يعدوه ( [114] ) .

فانظر مَن تُصوّب ومن تُخطّئ منهما، وبأيهما أخذت يتحقق المقصود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت