الصفحة 19 من 316

هنا ينبغي الانتباه إلى أن تيار التنوير والعصرنة ونشر الثقافة العصرية الحديثة في عهد رضا خان كان حكرًا على الدولة والنظام الحاكم الذي كان يسعى إلى لعب دور العقل المتحرِّر بالنسبة إلى رضا خان.

في الواقع، إضافة إلى الاستبداد العصراني، صاغ المثقفون التنويريون العصريون الذين تربوا في السنوات التي تلت الثورة الدستورية، خلال فترة حكم رضا خان كلّها، الظروفَ السياسيةَ والاجتماعيةَ والثقافيةَ للمجتمع وصبغوها بصبغة معاداة رجال الدين. في هذا المجال توحَّدت الجماعات المُتَغَرِّبة كلها، سواءً اليمينية أم اليسارية، وسواءً الاشتراكية أم الماركسية المؤيدة للاتحاد السوفيتي، واجتمعت واتَّفقت على محاربة رجال الدين بل الدين نفسه وكان بينها انسجام وتنسيق في هذا المجال. وبعبارة أخرى كان اتجاه التحولات الثقافية والسياسية بعد الثورة الدستورية يسير خطوةً خطوةً لغير صالح الدين و يتّجه نحو تقليص نفوذه في المجتمع. عندما كان المثقفون العصريون ذوو التبعية الفكرية للغرب والماركسيون - رغم كل الاختلاف النظري فيما بينهم- يتحدثون في تلك الفترة الزمنية عن عوامل الانحطاط والتخلف وأسبابهما، كانوا يعتبرون أن الدين هو السبب الأصلي لهذا التخلف، وكانوا على أقل تقدير، لاسيما من وجهة نظر العصرانيين المتغربين، يرون أنه من الضروري أن يبتعد الدين عن المجتمع والسياسة. في هذه المرحلة الزمنية ترك تيار التجديد والعصرنة - الذي كانت تتم الدعاية له إما بشكل رسمي صريح أو بشكل مبطن وغير مباشر على مدى 50 عامًا - أثَره في المجتمع وأثمر ثمره، ونجح لأول مرة ليس في تقريب طبقة النخبة من الغرب ومظاهره فحسب بل تقريب عامة الناس وجماهير الشعب من الغرب ومظاهره أيضًا، وشُغف الناس بالغرب وأفكاره وسعوا إلى تحقيق الإصلاحات والتجدُّد والعصرنة ضمن إطار التغريب والتبعية للحضارة الغربية. [1]

(1) ..يقول ملك الشعراء بهار: (ديوان بهار، ج 1، ص 284) : (بيتان من الشعر بالفارسية وترجمتهما:)

إما الموت أو التجدد والإصلاح ... لا طريق أمام الوطن سوى هذين الاثنين

لقد أصبحت إيران قديمة من رأسها إلى أخمص قدميها ... لا دواء لها سوى التجدد

تدل أسماء الصحف والمجلات الأسبوعية في هذه المرحلة الزمنية على اهتمام أبناء ذلك العصر بالتجدُّد والتحديث والعصرنة. على سبيل المثال يمكننا أن نشير إلى المجلات والصحف الآتية: صحيف? تجدد إيران التي بدأت بالصدور بشكل يومي منذ عام 1310 هـ.ش (1931م) فما بعد. (انظر: تاريخ جرايد و مجلات [تاريخ الصحف والمجلات] ، ج 2، ص 109) ،وعدد من المجلات والنشرات الشهرية التي تحمل عناوين مثل «ترقى» [التطور] أو «ترقى ايران» [تطور إيران] (2/124 - 127) ، وأيضًا «تكامل» [التكامل] ، «تمدن» [الحضارة] (المصدر نفسه، 134 - 140) ، وانظروا أيضًا إلى الصحف والمجلات التي تبتدئ بكلمة «العصر» مثل: عصر الحرية، عصر الثورة، عصر الحضارة، عصر البهلوي، العصر الجديد، عصر الديمقراطية، العصر الحديث، وعصر النهضة (المصدر نفسه، ج 4، ص 36) . أو التي تبتدئ بكلمة «عهد» : عهد الحرية، عهد التقدم، عهد التجدد، العهد الجديد (المصدر نفسه، ص 58) وأيضًا عناوين مثل «ايران امروز» [إيران اليوم] ، عن محمد حجازي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت