ومن الناحية الأخرى، فقد أصبح اهتمام المفكرين والشعراء والشخصيات البارزة في هذه المرحلة، أي الأشخاص الذين أنتجهم تيار الثورة الدستورية، ليس منصبًّا على حراسة القيم والتراث والمقدسات الدينية، بل المحافظة على التراث القومي القديم والذي يُفضَّل أن يكون غير ديني أو معادٍ للدين. لقد أصبحت القومية الشوفينية المتطرفة إحدى النظريات الأساسية للسياسة الثقافية لإيران. أصبح الشعراء والشخصيات البارزة في الثقافة والفن من دعاة تمجيد القومية الإيرانية وتعظيم إيران، وطفحت دواوين شعراء مثل عشقي وعارف قزويني وبهار [1]
(1) . في النشيد المدرسي الذي تم إقراره في ربيع سنة 1310 هـ.ش (1931م) لينشده طلاب المدارس الابتدائية (ديوان ملک الشعراء، ج 1، س 549) تم تعريف الأطفال الإيرانيين بالهوية الإيرانية على النحو التالي:
نحن كلنا أطفال إيران ... نحافظ على أمنا
كلنا من أحفاد كياقباد وجميم ... كلنا من جيل پوردستان
نحن أولاد كورش وحاخامنش ... أولاد قارن ونريمان
أولاد مهرداد وفرهاد ... من عرق اردشير وساسان
مُلْك إيران بستان زهور ... ونحن ورودهالحمراء
... وجاء حول الشاعر بهار (في كتابباستان گرايى در تاريخ معاصر ايران [أي: نزعةالاهتمام بالتاريخ القديم، في تاريخ إيران المعاصر] ، ص 167) : يمكننا أن نعتبر الشاعر بهار أحد المنظرين لنزعة إحياء التراث القومي الإيراني القديم لدى رضا شاه،وأحد الموصين بالإجراءات التي كان يقوم بها رضا شاه في هذا المجال، حيث كان يوصي في أشعاره على الدوام بإحياء ثقافة إيران القديمة وآدابها وتاريخها قائلًا مثلًا:
مَلِكُ العالم بهلوي الشهير ... أنت من سلاطين العالم الذين سيخلد التاريخ ذكرهم
سعادتك عَلَم كاويان ... ملكك مثل ملك ملوك إيران [القدامى]
لما سعيت نحو سعادة المُلْك ... كُنْتَ «كاوه» ثم أصبحت أيضًا «فريدون»
تمحورت نظرة الشاعر بهار إلى التجدد حول ثلاثة مفاهيم تاريخية - جغرافية. إيران ما قبل الإسلام، إيران بعد الإسلام، والغرب. في ذلك الشعر، يسعى بهار، شأنه في ذلك شأن كثير من المثقفين العصريين الآخرين، إلى حذف «إيران بعد الإسلام» كي يوجد اقترانًا بين إيران ما قبل الإسلام والغرب. أي التجدد التاريخي القديم الذي يمكن أن نطلق عليه - على حد قول توكلي طرقي - التجدد القومي الوطني. هذا التجديد وإحياء تاريخ إيران القديم تجديد عقيم بالتأكيد، لأن إيران العهد القديم التي تمتزج بكيومرث وجمشيد اللذين سيحلان محل محمد وعلي، هي إيران ممزوجة بآلاف أنواع الفساد والظلم والجور (لنتذكر ما قاله شاملو حول الشاهنامة) . ولهذا السبب فشل مثقفونا العصريون الذين استخرجوا ذلك «التجديد وإحياء تاريخ إيران القديم» من بطن مفهومَي إيران القديمة والغرب،ولم يستطيعوا تحقيق أي هدف وغاية.
... ينبغي أن ننتبه إلى أننا يمكننا أن نجد تغنِّيًا إسلاميًّا وإسلامياتٍ كثيرةًأيضًا في مؤلفات «بهار» وكتاباته. كما يمكننا أن نلاحظ في نظريات «بهار» تلك النظرة التي تفصل الإسلام عن العرب. (رغم أن العرب هجموا علينا كالسارق *** إلا أنهمأعطونا دينًا كريمًا) . وعلى كل حال، كل شاعر لديه مثل هذا الإقبال والإدبار والصعود والهبوط. والخلاصة،الأمر الذي يمكن ملاحظته في فكر «بهار» هو تجدد يتماشى على نحو من الأنحاء مع التقاليد القديمة. أما أنه أي كفَّة من الكفتين كان راجحًا لديه، وموضوع كيفية تلفيقه بين تينك النظريتين فهو موضوع آخر يحتاج إلى كلام خاص.