ثانيا: توسعت في مقدمات الدلائل العقلية التي جرى فيها جدلا طويلا وعريضا منذ عصر المعتزلة وإلى يومنا هذا. وبما أن الشيعة تبنت فكر المعتزلة في جعل الدليل العقلي أصلا ومرجعا في الإستدلال الأصولي، فرأيت أن أقدم بحثا عقليا حول علاقة النقل ( القرآن والسنة ) بالعقل، وعلاقة التحسين والتقبيح العقلي بالشرعي، لأني وجدت أكثر الشيعة يعطون للعقل أهمية أكثر من النقل ويؤولون الشرع بما يتلاءم وعقولهم، ويجعلون عقولهم حاكمة للشرع، وكأن العقل عندهم شيء واحد متفق عليه بين الجميع، وقابل لأن يتحاكم إليه البشر، ونسوا أو تناسوا أن العقل لو كان مرجعا في الدين، لأمرنا الله تعالى أن نتحاكم إليه. ولكن لما كان أصحاب العقول مختلفين فيما بينهم، فعقل من يكون حجة على الآخر؟ ولكن رأيتهم أبعد الناس عن العقل في قضية الإمامة، والتي بموجبها خرجوا عن إجماع المسلمين، لاسيما في الإمام ( الثاني عشر ) الذي غاب منذ أكثر من ألف ومائتي سنة، ومع هذا يقولون عنه أنه حجة الله على خلقه، وهو لا يُسمَع له رأي ولا يُشاهد له أثر، ولا يُنقل عنه خبر!! وأنّا لا ندري حتى هذه اللحظة عقل مَنْ حدّد الأئمة بإثني عشر، مع أن عمر الدنيا طال بعد آخر أئمتهم أكثر من ألف سنة، وقد يطول آلافا أخرى من السنين ( [6] ) ! مما دفعهم إلى فتح باب الإجتهاد بعد أن كانوا يعيٍّرون أهل السنة برجوعهم إلى الإجتهاد والقياس، على أساس أن دلالة الإجتهاد على الأحكام ظنية، والظن لا يعتبر دليلا في الشرع؛ فتوسعوا فيه إلى الحد الذي جعلوا إجتهاد الفقيه النائب عن الإمام معصوما لا يجوز الرد عليه، والراد عليه كالراد على الله، وهو على حد الشرك بالله. وحوى هذا كله الباب الثاني في فصول ثلاثة.