ولعل ما يؤكد ذلك، تلك القصة المتداولة في المصادر لترك المجلسي للمنطق، وهي: أن المجلسي كان يدرس علم المنطق، فشرح للطلاب يوما مذهب"الدهرية"من أدلتهم، فما كان من احد الطلاب إلا أن اعتنق مذهبهم قائلا:"إن مذهب الماديين هو مذهب الحق"وعندما حاول المجلسي نقض الاستدلال، عجز عن ذلك، فأوقف المجلسي الدرس فجأة واقسم أن لا يعود بعدها للفلسفة والكلام [6] ، فإن رفض المجلسي للمنطق، يعني انه ركز جهوده بشكل شبه حصري على ترويج الفقه والروايات، وهما دعامتا المنقول المركزيتان [7] .
إن رفض المجلسي المنطق وإدانته لكل أشكاله، جعل نقادا من أمثال يوسفي وارجمند وشريعتي يزعمون انه كان مدفوعا بالطموح الشخصي، لا بالرغبة الصادقة في تنقية الرسالة الإسلامية، وذلك عبر الاهتمام بالمنقول إلى حد إقصاء كل شيء آخر، وهو ما كان يعني صعود الفقيه السريع إلى السلطة في السنوات الأخيرة للعصر الصفوي، خاصة في ظل حكام ضعفاء وعاجزين كالشاه سليمان (1666 - 1693) والسلطان حسين (1694 - 1722) واحتلالهم - الفقهاء - المناصب الدينية كمنصب"كشيخ الإسلام"، وهو ما يعني أن على المرء أن يركز على مجال اختصاص الغالبية، من اجل البروز كرجل دين، حيث حبذ الشاه سليمان والسلطان حسين العلوم النقليه، ووفروا فرصة سانحة لفقهاء الاماميين من اجل تمكين الأفكار الدينية التقليدية في الفكر الشيعي، وبغض النظر عن نوايا المجلسي، فقد كان عهد هذين الحاكمين شديدي الملائمة لأفكاره [8] .