وكأن شيخي قد نظر إلى عملي على أنه لون من الحوار بين طرفين، داخل إطار الفكر الإسلامي؛ فيستحيل على كل منهما الاستماع والحديث في آن معا. ومن قواعد الحوار الناجح إعطاءُ الآخر حظا وافيا، وفرصةً كاملة لشرح وجهة نظره والتعبير عن رأيه. ونحن إذ نفعل ذلك لا نتبرع بخدمته، ولا نروج لمذهبه؛ بل نتيح لأنفسنا الحظ الأوفى من الاستيعاب والاقتدار على حسن التصور والمناقشة، واتخاذ الموقف الصحيح، أو الأقرب إلى الصواب من الأفكار المتداولة، التي لا يخلو كلام الآخر في بسطها من فوائد لا ينبغي تفويتها. ولنا في ذلك سلف في التراث الكلامي الذي حرص أكثر شيوخه على استيفاء بيان المقالات؛ بل ذهبوا إلى أبعد من هذا في التبرع بإيراد ما فات أصحابَ المقالات المخالفة مما يمكن أن يُحتَجَّ به لها؛ فالواثق بما في يده لا يخشى أن تطغى عليه غائلة [1] ..
ثم إن الاستباق إلى المقارنة لا بد أن يقودنا إلى فهم الآخر ومحاكمة كلامه في إطار اصطلاحاتنا وقناعاتنا الفكرية، وهذا من أكبر ما يشوش على حصول الفهم الصحيح، ويعمق فجوة الخلاف بين الطرفين، ويقطع سبل التقارب بينهما.
(1) - وهذا النسق ليس خاصا بالتراث الإسلامي فقط؛ فقد سلكه من قبل أيضا أفلاطون فيما صاغه على لسان شيخه سقراط في «المحاورات» ؛ خاصة «محاورة ثياتيتوس» التي عرض فيها سقراط مقالة بروتاجوراس في أن الإنسان هو مقياس الحقائق، وتبرع في عرضه بالاحتجاج لها من عند نفسه .. راجع ترجمة الدكتور عزت قرني. ط1، جامعة الكويت (لجنة التأليف والتعريب والنشر) ، الكويت 2002م.