ثم إنني حاولت بعد ذلك إقامة شيء من التوازن بين قسم العرض وقسم المقارنة في كل مبحث؛ فدفعني ذلك في كثير من المواضع إلى بسط آراء أهل السنة والاشتغال بنقدها أيضا. ولا أنكر أنني غلوت ــ وقليل الغلو كثير ــ في هذا الجانب حينما سعيت إلى بيان أن الخطأ ومجانبة الصواب قد يقع فيه السني، وأنه ليس قصرا على من نخالفهم من الشيعة الاثنا عشرية؛ لتأكيد أن الخلاف الذي لا يبلغ حدَّ التبرؤ والتكفير ما ينبغي أن ينزع يد المسلم من يد أخيه المسلم؛ فأقمتُ من فهمي ومعارفي حَكَمًا على جهود بعض الأئمة الكبار في تاريخ فكرنا الإسلامي بوجه عام، وعلى جهود عدد من أجلة الشيوخ الذين درستُ على أيديهم، ولا أزال أجلس بين أيديهم مجلس التلميذ من الأستاذ. ولقد علم الله ــ تعالى ــ أني أدين لكل هؤلاء بكل ما يجب لهم من التقدير والاعتراف بالفضل وحفظه، وأنا أتجرأ بهم، وبما تعلَّمتُه في رحابهم، أو أفدته من تراثهم الزاخر، في إعلان ما أرى أنه الحق، وقد يكون جهدي هذا حلقة في سلسلة عطائهم العلمي لها ما له وعليها ما عليه، وقد يكون مجرد محاولة بُذلت في سبيل التعلم ومعرفة الحق؛ فيُعلم ما عليها ليكون زادا لصاحبها يقيه تكرار الزلل فيما يستقبل من الأعمال بمشيئة الله تعالى ..
هـ ــ وأما الخطة التي التزمتها في بناء هيكل دراسة هذا الموضوع؛ فبيانها في تقسيم الدراسة بعد هذه المقدمة إلى بابين، وخاتمة.
ولقد كانت هذه الدراسة بتفصيل عرض الفكر الكلامي الاثنا عشري في «دقيق الكلام» ، ثم في أصلي التوحيد والعدل: «الإلهيات» ، مع مقارنة ذلك كله بآراء أهل السنة.
وقد استقر تأسيس بناء الفكر الكلامي الاثنا عشري على الأصول الخمسة المشهورة عندهم، وهى: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، والمعاد. وغدا الكلام عن هذه الأصول وفروعها منهج التأليف الكلامي في أكثر المؤلفات الشاملة لأبواب علم الكلام عند القوم.