الصفحة 19 من 1224

د ــ ولقد آثرت في كتابتي لهذه الدراسة فيما يتعلَّق ببيان الفكر الكلامي الاثنا عشري «منهج التحليل النصي» وهو منهج وصفي؛ مُراعاةَ فَرضِ أنه المجهولُ أو غيرُ الواضحِ على وجه التفصيل في بيئتنا السُّنِّيَة، وإن لم أهمل الإفادة من «المنهج النقدي» في مواضعَ غيرِ قليلةٍ؛ فقد كان همِّي الأوَّل بيان الصورة الحقيقية لما أتناوله من آراء القوم الكلامية خلال القرن الخامس الهجري كما هي في مصادرها الأصلية، وقد بلغت في تحري هذه الغاية أن أضفت إلى عملي محاولة إعادة تركيب ما أصابه الخللُ، أو فَوَّتَ الزَّمانُ علينا مُطالَعتَه تامًّا كما دوَّنه أصحابُه، وكنت أستلهم البيان من تراث القوم أنفسهم، ومما ثبت لديَّ موافقتُه لكلامهم عند طوائف المسلمين السُّنيين؛ خاصة في مؤلفات القاضي عبد الجبار المعتزلي، أو مما يتحصل عندي من فهم الموضوع وما يتعلق به من مناقشات في كتب الأشعرية والماتريدية؛ حتى إنه ليغلب على عملي في بعض الأحيان سَمْتُ «المُحَقِّق» الذي يقتصِرُ مسعاه على عرض نص صحيح وتام، لا سَمْتُ «الباحث الدارس» الذي يقصد إلى بسط الأفكار وبيان أصولها وموقعها مما يوافقها أو يخالفها.

ولقد كنت في ذلك كُلِّه أتَقَمَّصُ أصولهم الكلامية، وأتمثَّلُ أساليبهم في لغة التعبير؛ غيرَ ذاهلِ الوعي عن دور الوساطة بينهم وبين القارئ السُّنِّيِّ المعاصر، ما وسعني جهدُ المُقِلِّ الضعيف الذي يتقوى بأمل الطموح أو طموح الآمل؛ لكنني لا أنكر مع ذلك في هذه المغالبة الطويلة خضوعَ بياني في التعبير عن أفكار القوم لمسالك اللغة الكلامية في القرن الخامس؛ حتى إن بعض رفاقي الذين أُتيح لهم أن ينظروا في عملي زمان كتابته طالبني صادقا في مواضع أن أضع كلام نفسي بين علامتي تنصيص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت