الوجه الثاني: أنه على فرض صحة رواية (هجر) من غير استفهام، فلا مطعن فيها على قائلها، لأن الهجر في اللغة يأتي على قسمين: قسم لانزاع في عروضه للأنبياء، وهو عدم تبيين الكلام لبحّة الصوت، وغلبة اليبس بالحرارة على اللسان، كما في الحميات الحارة، وقسم آخر: وهو جريان الكلام غير المنتظم، أو المخالف للمقصود على اللسان لعارض بسبب الحميات المحرقة في الأكثر.
وهذا القسم محل اختلاف بين العلماء في عروضه للأنبياء، فلعل القائل هنا أراد القسم الأول، وهو أنا لم نفهم كلامه بسبب ضعف ناطقته، ويدل على هذا قوله بعد ذلك (استفهموه) [1] .
الوجه الثالث: أنه يحتمل أن تكون هذه اللفظة صدرت عن قائلهاعن دَهَشٍ وحَيْرةٍ أصابته في ذلك المقام العظيم،والمصاب الجسيم، كما قد أصاب عمر وغيره عند موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاله القرطبي [2] .
قلت: وعلى هذا فقائلها معذور أيًا كان معناها، فإن الرجل يعذر بإغلاق الفكر والعقل، إما لشدة فرح أو حزن، كما في قصة الرجل الذي فقد دابته ثم وجدها بعد يأس فقال: (اللهم أنت عبدي، وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) [3] .
الوجه الرابع: أن هذه اللفظة صدرت بحضور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكبار أصحابه، فلم ينكروا على قائلها، ولم يؤثموه، فدل على أنه معذور على كل حال، ولا ينكر عليه بعد ذلك إلا مفتون في الدين، زائغ عن الحق والهدى.
وأما ما ادعوه من معارضة عمر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (عندكم كتاب الله، حسبنا كتاب الله) وأنه لم يمتثل أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما أراد من كتابة الكتاب:
فالرد عليه:
(1) - انظر: مختصر التحفة الإثني عشرية ص250.
(2) - المفهم 4/560.
(3) - أخرجه مسلم من حديث أنس - رضي الله عنه - (كتاب التوبة، باب الحض على التوبة...) 4/2104، ح2747.