فثبت بهذا افتراء الرافضة وظلمهم بنسبتهم هذه اللفظة لعمر من غير دليل، بل ظاهر الأدلة على خلافه، على أن هذه اللفظة لا مطعن فيها على عمر لو ثبتت عنه،كما أنه لا مطعن فيها على من ثبتت عنه من الصحابة. وما ادعاه الرافضة من نسبة قائلها رسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى أنه لايعي مايقول -حاشاه ذلك- باطل لايحتمله اللفظ وبيان ذلك من عدة وجوه.
الوجه الأول: أن الثابت الصحيح من هذه اللفظة أنها وردت بصيغة الاستفهام هكذا (أهجر؟) وهذا بخلاف ما جاء في بعض الروايات بلفظ (هجر، ويهجر) فإنه مرجوح على ما حقق ذلك المحدثون، وشراح الحديث: منهم القاضي عياض [1] ، والقرطبي [2] ، والنووي [3] ، وابن حجر [4] . فقد نصوا على أن الاستفهام هنا جاء على سبيل الإنكار على من قال: (لا تكتبوا) ، وانظر ما سبق في الباب الأول.
قال القرطبي بعد أن ذكر الأدلة على عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الخطأ في التبليغ في كل أحواله، وتَقَرُرِ ذلك عند الصحابة:"وعلى هذا يستحيل أن يكون قولهم (أهجر) ، لشك عرض لهم في صحة قوله، زمن مرضه، وإنما كان ذلك من بعضهم على وجه الإنكار على من توقف في إحضار الكتف والدواة، وتلكأ عنه، فكأنه يقول لمن توقف: كيف تتوقف أتظن أنه قال هذيانا، فدع التوقف وقرب الكتف، فإنه إنما يقول الحق لا الهجر، وهذا أحسن ما يحمل عليه" [5] .
قلت: وهذا يدل على اتفاق الصحابة على استحالة الهجر على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، حيث إن قائليها أوردوها على سبيل الإنكار الملزم، الذي لا يشك فيه المخالف، وبه تبطل دعوى الرافضي من أصلها.
(1) - انظر: الشفا 2/886.
(2) - انظر المفهم 4/559.
(3) - انظر شرح صحيح مسلم 11/93.
(4) - انظر فتح الباري 8/133.
(5) - انظر: المفهم 4/559.