وهي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو الذي عارض رسول الله، وقال: إنه يهجر، وأن الصحابة مشتركون في ذلك إذ كانت الأكثرية منهم على قول عمر، ولذلك رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدم جدوى كتابة الكتاب لأنه علم بأنهم لن يمتثلوه بعد موته.
فجوابه: أن ما ادعاه أولًا بأن عمر اتهم رسول الله بالهجر وأنه لايعي ما يقول فهذا باطل. وذلك أن هذه اللفظة (أهجر) لا تثبت عن عمر -رضي الله عنه - أصلًا، وإنما قالها بعض من حضر الحادثة من غير أن تعين الروايات الواردة قائلها، وإنما الثابت فيها (فقالوا ما شأنه أهجر) [1] ، هكذا بصيغة الجمع دون الإفراد وقد تقدم في الباب الأول تفصيل ذلك ولهذا أنكر بعض العلماء أن تكون هذه اللفظة من كلام عمر.
قال ابن حجر:"ويظهر لي ترجيح ثالث الاحتمالات، التي ذكرها القرطبي، ويكون قائل ذلك بعض من قرب دخوله في الإسلام، وكان يعهد أن من اشتد عليه الوجع،قد يشتغل به عن تحرير ما يريد" [2] .
وقال الدهلوي:"من أين يثبت أن قائل هذا القول هو عمر مع أنه وقع في أكثر الروايات (قالوا) بصيغة الجمع" [3] .
وقد ذهب إلى هذا السويدي وذكر أنه قد صرح بذلك جمع من متأخري المحدثين ومنهم ابن حجر [4] .
وهذا الذي صرح به العلماء هنا هو ظاهر قول النووي حيث يقول في معرض شرحه للحديث:"... وهو المراد بقولهم هجر، وبقول عمر غلب عليه الوجع"، فقد فرّق بين القولين فتأمله..
(1) - تقدم نص الحديث بكماله وتخريجه ص277.
(2) - فتح الباري 8/133.
(3) - مختصر التحفة الاثني عشرية ص250.
(4) - انظر: الصارم الحديد (الجزء الثاني) ص16.