وعلى كل حال فهذا القول لا صحة له، إذ لا دليل عليه، وإنما مبناه على الظنون والأوهام الكاذبة، التي لا تستند لدليل من عقل أو شرع، بل الأدلة على خلافه كباقي عقائد الرافضة، وعلى فرض صحته -مع استحالة ذلك- فلا حجة فيه للرافضة، بل هو حجة عليهم في إبطال دعوى الوصية لعلي -رضي الله عنه - وهذا ظاهر، فإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أراد من ذلك الكتاب النَّصَ على خلافة علي في ذلك الوقت المتأخر من حياته، دل هذا على عدم نصه عليها قبل ذلك، إذ لا معنى للنص عليها مرتين، وإذا ثبت باتفاق أهل السنة والرافضة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مات ولم يكتب ذلك الكتاب، بطلت دعوى الوصية من أصلها.
وإذا تقرر هذا: فليعلم أن العلماء اختلفوا في مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك الكتاب، فذهب بعضهم إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يكتب كتابًا ينص فيه على الأحكام ليرتفع الاختلاف. نقله النووي، وابن حجر عن بعض أهل العلم [1] .
وقيل: إن مراده صلى الله عليه وآله وسلم من الكتاب: بيان ما يرجعون إليه عند وقوع الفتن، وقد ذكر هذا القرطبي ضمن الاحتمالات المرادة من الكتاب [2] .
وقيل: إن المراد بيان كيفية تدبير الملك، وهو إخراج المشركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزهم، وتجهيز جيش أسامة. وبهذا قال الدهلوي [3] مستدلًا على ذلك بما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوصى به في حديث ابن عباس المتقدم [4] .
والذي عليه أكثر العلماء المحققين: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن ينص على استخلاف أبي بكر -رضي الله عنه -ثم ترك ذلك اعتمادًا على ما علمه من تقدير الله تعالى.
(1) - انظر: شرح صحيح مسلم للنووي 11/90، وفتح الباري لابن حجر 1/209.
(2) - انظر: المفهم 4/558.
(3) - انظر: مختصر التحفة الإثني عشرية ص251.
(4) - تقدم تخريجه.