والغنوصية مَرَّتْ بكثير مِن الأديان وصِبغة القابالاه اليهوديَّة والرهبنة النصرانَّية، ثم التصوُّف الإسلامي، ويرى محمَّدُ بنُ أحمدَ البيرونيُّ (ت440) [5] أنَّ مَرَدَّ التَصوف في بلاد المسلمين إلى تصوُّف الهندوس في الهند؛ يقول:"ومنهم مَن كان يرَى الوجودَ الحقيقيَّ للعِلَّة الأولى فقط، لاستغنائها بذاتها فيه، وحاجة غيرها إليه، وأنَّ ما هو مفتقرٌ في الوجودِ إلى غيره، فوجودُه كالخيال غير حقٍّ، والحقُّ هو الواحِد الأوَّل فقط، وهذا رأي السوفية - بالسِّين - وهم الحُكماء، فإنَّ سوفيا باليونانية: الحِكمة، وبها سُمِّي الفيلسوف: بيلاسوفا؛ أي: محب الحِكمة، ولَمَّا ذهب في الإسلام قومٌ إلى قريبٍ مِن رأيهم سُمُّوا باسمهم، ولم يَعرف اللقبَ بعضُهم؛ فنسبهم للتوكُّل إلى الصُفَّة، وأنَّهم أصحابُها في عصرِ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ثمَّ صُحِّفَ بعد ذلك.." [6] .
والقشيريُّ ذكَر أنَّه"ليس لهذا الاسمِ أصلٌ في اللُّغة العربية" [7] .
ويرجع ديورانت التصوُّفَ الإسلاميَّ إلى أصولٍ كثيرة: مِنها نزعةُ الزُّهد عندَ فُقراء الهندوس، وغنوصيَّة مصر والشام، وبحوث الأفلاطونيَّة الجديدة عندَ اليونان المتأخِّرين، وتأثير الرُّهبان المسيحيِّين الزاهدين المنتشرين في جميعِ بلادِ المسلمين [8] .
ويرَى أبو زهرةَ أنَّ الينبوع الثاني للتصوُّف"الذي وجَّه النفوس هو ما سرَى إلى المسلمين مِن فِكرتين: إحداهما فلسفيَّة، والأخرى مِن الدِّيانات القديمة، وهما:"
الفكرة الأولى: فكرة الإشراقيِّين مِن الفلاسفة، وهُم الذين يرَوْن أنَّ المعرفة تقذِف في النفس بالرِّياضة الرُّوحيَّة والتهذيب النَّفْسي.
الفكرة الثانية: فِكرة الحلول الإلهي في النُّفوسِ الإنسانيَّة، أو حلول اللاهوت في الناسوت.