فالتيَّار الرُّوحاني العِرفاني امتدادٌ للغنوصية؛ امتداد طبيعي لعقيدة"وَحدة الوجود العرفانية"، التي غصَّتْ بها دياناتُ الشرق، ونمَتْ بأرض العراق، ثم سَرَتْ للشام ومصر، مِن القرن الثالث قَبل الميلاد، كالمندائية وطوائف مِن النصرانية.
ومطلع قرن التصوُّف والصوفية البصرة؛ وبها دياناتٌ لها نَصيب مِن العقائد الغنوصية العرفانية؛ فهي على مقربةٍ مِن حواضرِ بلاد فارس، وزاد أثَرُ المخلَّفات العقديَّة والموروثات الدينيَّة القديمة، والفلسفة اليونانيَّة الأفلاطونيَّة الحديثة بعدَ عصر الترجمة، ثم كسا النظر رؤية المثل، مِن سلوكيات رُهبان أهل الكتاب بالبصرة، وكثرة الاحتكاك بهم، وبلَغ التصوفُ ذروتَه في نهاية القرن الثالث الهِجريِّ على يدِ فُرسٍ مسلمين ونصارَى أسلموا.
والغنوصية عقيدةٌ تمزج بين رُوحانية الشرق الآسيوي ومنطق الغرب الإغريقي، فبَعدَ سقوط آخِر دولة عراقيَّة في القرن السادس قبلَ الميلاد على يدِ الفُرس، واحتلال الشام ومصر مِن قِبل الإغريق، ثم الرومان، بدأ يتغلغل في هذه البلدان تيَّارانِ دِينيان: التيار الدِّيني الآسيوي"الهِندي الصِّيني"، من عقائد هندوسيَّة وبوذيَّة وتاويَّة، تؤمِن بعقيدة وَحدة الوجود، عن طريق بلادِ فارس؛ وكانت فارس تضمُّ ما بين باكستان إلى مشارفِ الشام.
ثم التيَّار الفلسفي المنطقي اليوناني الذي يَفصِل بيْن الخالق والمخلوق، ويرَى تَعدُّدَ الآلهة.