والفرس يصبغون أيَّ دِين يرِد عليه بلبوسهم، ويُذيبونه في ثقافتهم وعقائدهم، فيَصطلحون على ما سلَف مِن أمرهم بلُغة ما ورَد على ديانتهم الجديدة، فإنْ تبصَّر الواعي أمرهم دَرِي أنَّ كِسرى صار يُسمَّى إمامًا، والمرجع الشيعي صار يُسمَّى شيخَ الطريقة، والأئمَّة الاثنا عشر هم الأقطاب والغوث، ومراتب دُعاة الباطنيَّة الإسماعيليَّة هم الأوتاد والأتقياء والنجباء والمريدين عندَ الصوفيَّة.
و"ليس مِن قبيل المصادفات أن تَنشأ الحركةُ الصوفية المتطوِّرة في البصرة، وهي بيئةٌ شِبه فارسية، والواقع أنَّ الدارسَ لا بدَّ أن يتوقَّف عند هذا العدد الهائِل مِن الصوفية التي أصولهم إيران، والذين ترِد ترجماتهم في كتُب التصوُّفِ العربية، وأنْ يستوقفَه أيضًا أنَّ هؤلاء جميعًا كانوا مِن أصحاب جوامع الكَلِم، وأنَّ بداية التعمُّق الصوفي والإغراق في الرَّمز، أو ما عُرِف باسمِ الشطح على يدِ أبي يَزيد البسطامي، وهو مِن أصلٍ فارسي" [2] .
والطُّرُق الصوفيَّة تُشبه في نشأتها فكرةَ الحوزات الشيعيَّة، والمرجِع الشِّيعي، ورواد الحوزة، فأصل الفِكرة فارسي، وأصلُ كلمة الخانقاه فارسي تُطلق على المباني التي تُقام لإيواءِ الصوفية.
واختار الآملي (794هـ) [3] - وهو شِيعي - انتسابَ التصوُّف للتشيُّع، مستندًا لأقوال مِن أقطاب الشيعة كابن المطهِّر الحِلِّي في كتابيه"منهاج الكرامة"و"كشف الحق"؛ ليدلِّل على أنَّ العلوم اللَّدُنيَّة والحقائق الإلهيَّة مخصوصة بعليٍّ - رضي الله عنه - دون غيرِه مِن الأولياء، وقال: إنَّ الفَرْق بين الشيعي والصوفي أنَّ الأول مؤمنٌ عادي، والثاني مؤمنٌ ممتحَن، والصوفية اختصاصهم بالأسرار الإلهيَّة، وهم لذلك الشيعةُ الخاصَّة [4] .