والعبد يسعى وله ما قد كدح ... طول الليالى وعليه ما اجترح
ثم أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج ما في أفواهم وتنفض ما في أكمامهم فقال النبى صلى الله عليه وسلم:"وكم من عذق رداح ودار فياح لأبى الدحداح"
لا أدرى هل أعلق على موقف أبى الدحداح وهذه الإستجابة العجيبة بعد سماعه للآيه، أم موقف زوجته، التى ما ترددت ولا تلكأت بل امتثلت إلى درجة أنها أخرجت ما في فم صبيانها من التمر، لأنه لم يعد ملكهم بعد اليوم.
إن مواقف الصحابه أيها الأخوة لا تنتهي، ولو جلسنا إلى الصباح ونحن نعطى أمثال هذه القصص، لخرج علينا شمس اليوم التالى بل أكثر من ذلك، ومواقفهم رضى الله عنهم لا تنتهى، لماذا؟ لأن حياتهم كلها كانت بهذا الشكل، لا يتكلفون هذه الأمثلة وهذه النماذج، بل هى طبيعيه في حياتهم.
إن أولئك الرجال الذين تخرجوا على يد النبى صلى الله عليه وسلم وخرجوا من صحرائهم لأول مرة لا يزالون معلمًا تتخرج على ضوءه الأجيال بعد الأجيال، لقد جعل الوحى منهم رجالًا غير ما عرف الناس، ومشى الدين فيهم مشى العافيه في بدن المريض وفى فترة وجيزة من التاريخ تحولوا من رعاة الشاة والغنم إلى قادة العصور وسادة الأمم: تحولوا إلى فرسان النهار عباد الليل تسمع بالليل بكاءهم وديوهم بالقرآن كدوى النحل، وتسمع بالنهار صليل سيوفهم. رضى الله تبارك وتعالى عنهم.
مشى الوحى فيهم مشيه البرء في الظنى
... ... ... ... فأي فتى من سحره غير طافح
فطاروا إلى الدنيا بدين محمد
... ... ... ... وقد فتحوا الدنيا كلمحة لامح
كأن الرياح الذاريات مطيهم
... ... ... ... يلفون وجه الأرض لف الوشائح
تجود بهم رمضاء كل سنوفة
... ... ... ... سوادح خيل تهتدى بسوادح
ففى كل بر منهم زحف زاحف
... ... ... ... وفى كل يم منهم سبح سابح
كأن دوى النحل مثل دويهم
... ... ... إذا ارتفعت أصواتهم في الفواتح
يجول بهم إسلامهم كل جولة
... ... ... ... ويلقى بهم إيمانهم في الطوائح
فما الموت في الإيمان مر مذاقه
... ... ... ... ولا الحتف في الإسلام صعب الجوائح