فقال له أولاده، يرحمك الله يا أبانا، لقد صرت شيخًا كبيرًا، وقد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، وغزوت مع أبى بكر حتى مات وغزوت مع عمر حتى مات، فهلا تركتنا نغزو عنك. فقال أبو طلحة إن الله عز وجل يقول: (انفروا خفافًا وثقالًا) فهو قد استنفرنا جميعًا، شيوخًا وشبانًا ولم يحدد لنا سنًا، فأبى رضى الله عنه إلا الخروج فخرج معهم، وبينما هو على ظهر السفينة مع جند المسلمين في وسط البحر، مرض مرضًا شديدًا فارق على اثره الحياة، فطفق المسلمون يبحثون له عن جزيرة ليدفنوه فيها فلم يعثروا على جزيرة إلا بعد سبعة أيام وأبو طلحة مسجى بينهم لم يتغير كأنه نائم رضى الله عنه ورحمه ثم دفن هناك بعيدًا عن الأهل والأوطان وصدق الله العظيم: (وما تدرى نفس بأي أرض تموت) .
أبو الدحداح رضى الله عنه:
عندما نزل قوله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا) جاء أبو الدحداح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله: أو إن الله تعالى يريد منا القرض؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم يا أبا الدحداح قال ارنى يدك قال فناوله، قال فإنى اقرضت الله حائطى وكان فيها ستمائه نخله. ثم جاء يمشى حتى أتى الحائط، وأم الدحداح فيه وعياله وكانت تدور تحت النخل مع صبيانها فناداها يا أم الدحداح، قالت لبيك قال اخرجى فإنى قد اقرضت ربى حائطى وأنشأ يقول:
هداك ربى سبل الرشاد إلى سبيل الخير والسداد
بيني من الحائط بالوداد فقد مضى قرضًا إلى التناد
أقرضته الله على اعتمادى بالطوع لا من ولا ارتداد
إلا رجاء الضعف في المعاد فارتحلى بالنفس والأولاد
والبر لاشك فخير زاد ... ... قدمه المرء إلى المعاد
فقالت أم الدحداح بعدما سمعت ذلك، ربح بيعك، بارك الله لك فيما اشتريت ثم أجابته أم الدحداح وأنشأت تقول:
بشرك الله بخير وفرح ... ... ... ... مثلك أدى ما لديه ونصح
قد منع الله عيالى ومنح ... ... ... بالعجوة السوداء والزهو البلح