ولا ريب أن الجمود في الفتوى يضر بمصالح العباد، وبالشريعة الإسلامية معًا لأن التفرقة بين الحكم الشرعي الثابت والفتوى التي تتغير بتغير الأزمان أمر لابد منه لمواجهة المشاكل والقضايا التي تستجد في حياة الناس وهي غير قابلة للحصر، وهذا ما أكده الإمام إبن القيم حينما ضمن كتابه ( إعلام الموقعين عن رب العالمين ) فصلًا خاصًا بعنوان: فصل فِي تَغْيِيرِ الْفَتْوَى، وَاخْتِلَافِهَا بِحَسَبِ تَغَيُّرِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ وَالْأَحْوَالِ وَالنِّيَّاتِ وَالْعَوَائِدِ.
والفقيه هو الذي يتوصل إلى معرفة الحق بفهم الواقع وفهم حكم الله تعالى في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر؛ فَمَنْ بَذَلَ جَهْدَهُ وَاسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ فِي ذَلِكَ لَمْ يَعْدَمْ أَجْرَيْنِ أَوْ أَجْرًا.
لأن الإجتهاد: ( هو بذل الفقيه وسعه في إستنباط الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية) ( [14] ) .
ولا ريب أن هذا الإستنباط هو مجهود فكري بشري غير معصوم، يختلف من مجتهد إلى آخر، فيضعنا أمام تعدد الإجتهادات الذي يفرضه تعدد الكفاءات والمكاسب العلمية للفقهاء المتصدين للحادثة الواحدة. إزاء هذا الواقع أوجد لنا الشريعة الإسلامية على لسان رسولنا الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه مخرجًا فقال: ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر) ( [15] ) .
وقال الإمام أحمد بن يحيى المرتضى اليماني ( 775-804 هـ) : ( إعلم أنه لا هلاك في المسائل الإجتهادية، إذ المخالف فيها مصيب ) ( [16] ) . يعني غير آثم.