فللمسلمين حرية الإجتهاد وإعمال العقل في كل قضية شرعية أو سياسية أو فكرية، تستجد في حياتهم العملية، وذلك لأن الشريعة الإسلامية شريعة مؤبدة تصلح لكل زمان ومكان، فجاءت نصوصها كلية مرنة، فيها ثوابت لا يمكن المساس بها، وغير قابلة للتغيير أو التبديل، كالعقائد والعبادات، وهي قليلة جدًا بالقياس إلى المتغيرات الكثيرة التي تركها ربنا تبارك وتعالى من غير نسيان رحمةً بنا، وتوسعة لهذه الأمة التي هي آخر الأمم، لئلا تتعارض نصوصها وأحكامها مع تطور البشرية؛ فجاءت قواعدها ونصوصها فيها من المرونة والعموم بحيث تتسع لحاجات الناس مهما طالت الأزمان وتغيرت الظروف.
بل إن الإجتهاد قد أقره الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلهِ وَسَلَّمَ في حياته حينما بعث معاذ بن جبل إلَى الْيَمَنِ فقال: بِمَ تَحْكُمُ ؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ؟ قَالَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ؟ قَالَ أَجْتَهِدُ رَأْيِي. قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ"وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمَسَانِدِ وَالسُّنَنِ بِإِسْنَادِ جَيِّدٍ."
ويوجد في الفكر الشيعي أيضًا ما يؤكد الحاجة إلى الإجتهاد حتى في عصر الأئمة، منها: ما عن محمد بن إدريس في آخر السرائر نقلًا عن كتاب هشام بن سالم، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: ( إنما علينا أن نلقي إليكم الأصول وعليكم أن تفرعوا) ( وسائل الشيعة: 18: 40) .
وعنه عن كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الرضا عليه السلام قال: ( علينا إلقاء الأصول، وعليكم التفريع ) (وسائل الشيعة: 18: 52 ) . ( ولا ريب أن التفريع على الأصول هو الإجتهاد، وليس الإجتهاد في عصرنا إلاّ ذلك ) ( [13] ) .