ويقول شيخ الإسلام إبن تيمية: ( وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْخَطَأَ فِي دَقِيقِ الْعِلْمِ مَغْفُورٌ لِلْأُمَّةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَهَلَكَ أَكْثَرُ فُضَلَاءِ الْأُمَّةِ؛ فَالْفَاضِلُ الْمُجْتَهِدُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ بِحَسَبِ مَا أَدْرَكَهُ فِي زَمَانِهِ وَمَكَانِهِ إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ مُتَابَعَةَ الرَّسُولِ بِحَسَبِ إمْكَانِهِ هُوَ أَحَقُّ بِأَنْ يَتَقَبَّلَ اللَّهُ حَسَنَاتِهِ وَيُثِيبَهُ عَلَى اجْتِهَادَاتِهِ وَلَا يُؤَاخِذَهُ بِمَا أَخْطَأَ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ: ? رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ?) ( [17] ) .
فكان من الطبيعي إذن أن يقع خلاف واختلاف بين المسلمين، بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلهِ وَسَلَّمَ لاسيما في الأمور التي لا نص فيها، أو تلك التي تحتمل وجوهًا عدة أو في المصالح المرسلة التي قد تتغير بتغير العادات والأحوال والعوائد.
هذا الإختلاف لا يجب أن يؤدي إلى شقاق بين المسلمين، ولا إلى التناحر والبغضاء فيما بينهم، فضلًا عن تكفير بعضهم البعض؛ لأن مثل هذا الخلاف قد وقع بين الملائكة، وبين أنبياء الله تعالى الذين هم صفوة البشر، كما وقع بين أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلهِ وَسَلَّمَ والتابعين لهم بإحسان الذين هم خير قرون هذه الأمة. وفيما يلي نذكر جملة منها:
فصل
الخلاف سنة كونية إقتضتها الحكمة الإلهية
قال الله تعالى في كتابه الكريم: ? وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ? (الروم: 22)