فإنها عقيدة دينية تبيح لهم التظاهر لنا بغير ما يبطنون، فينخدع سليم القلب منا بما يتظاهرون له به من رغبتهم في التفاهم والتقارب، وهم لا يريدون ذلك، ولا يرضون به ولا يعملون له، إلا على أن يبقى من الطرف الواحد، مع بقاء الطرف الآخر في عزلته لا يتزحزح عنها قيد شعرة، ولو توصل ممثلو دور تقيتهم منهم إلى إقناعنا بأنهم خطوا نحونا بعض الخطوات فإن جمهور الشيعة كلهم من خاصة وعامة يبقي منفصلًا عن ممثلي هذه المهزلة، ولا يسلم للذين يتكلمون باسمه بأن لهم حق التكلم باسمه.
الفصل الثاني
الشيعة والقرآن
وحتى القرآن الذي كان ينبغي أن يكون المرجع الجامع لنا ولهم على التقارب نحو الوحدة، فإن أصول الدين عندهم قائمة من جذورها على تأويل آياته وصرف معانيها إلى غير ما فهمه منها الصحابة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وإلى غير ما فهمه أئمة الإسلام من الجيل الذي نزل عليه القرآن. بل إن أحد كبار علماء النجف وهو الحاج ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي [1]
(1) ولد في 18 شوال 1254 هوتوفي ليلة الأربعاء لثلاث بقين من جمادى الثانية 1320 هوهو يعد من كبار علماء الشيعة من أشهر مؤلفاته"مستدرك الوسائل"ومن أشهر تلامذته آغا بزرك الطهراني مؤلف الموسوعة الشيعية المعروفة باسم"الذريعة إلى تصانيف الشيعة"وطبقات أعلام الشيعة. ومحمد حسين كاشف الغطاء مؤلف"أصل الشيعة"والشيخ عباس القمي صاحب"الكنى والألقاب"و"سفينة البحار"و"كحل البصر"وغيرهم من علماء الشيعة.
وصفه محمد صادق بحر العلوم في حاشيته ص 59 على لؤلؤة البحرين"للبحراني بـ"العلامة المحدث الحسين النوري. ومحمود جعفر الزندي في مقدمة مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار للفتوني العاملي ص"د": شيخنا البحر المتلاطم الزخار. وأما آغا برزك الطهراني فقد أفاض في ترجمته وننقل منها بعض الشيء لنعلم منزلة هذا الكافر عند الشيعة.
يقول الطهراني: كان الشيخ النوري أحد نماذج السلف الصالح التي ندر وجودها في هذا العصر فقد امتاز بعبقرية فذة وكان آية من آيات الله العجيبة كمنت فيه مواهب غريبة وملكات شريفة أهلته لأن يعد في الطليعة من علماء الشيعة الذين كرسوا حياتهم طوال أعمارهم لخدمة الدين والمذهب، وحياته صفحة مشرقة من الأعمال الصالحة، وهو في مجموع آثاره ومآثره، إنسان فرض لشخصه الخلود على مر العصور وألزم المؤلفين والمؤرخين بالعناية به وبالإشارة بغزارة فضله، فقد نذر نفسه لخدمة العلم ولم يكن يهمه غير البحث والتنقيب والفحص والتتبع، وجمع شتات الخبر وشذرات الحديث ونظم متفرقات الآثار وتأليف شوارد السير، وقد رافقه التوفيق وأعانته المشيئة الإلهية، حتى ليظن الناظر في تصانيفه (ومنها فصل الخطاب) أن الله شمله بخاصة ألطافه ومخصوص عنايته، وادخر له كنوزًا قيمة لم يظفر بها أعاظم السلف من هواة الآثار ورجال هذا الفن، بل يخيل للواقف على أمره أن الله خلقه لحفظ البقية الباقية من آل محمد عليه وعليهم السلام.
وقال في موضع آخر: هو سند من أجل الإسناد الثابتة ليوم المعاد. وكيف لا وهو حرّيت هذه الصناعة وإمام هذا الفن فقد سبر غور علم الحديث حتى وصل إلى الأعماق فعرف الحابل من النابل ومازال الغث من السمين، وهو خاتمة المجتهدين فيه أخذه عنه كل من تأخر من أعلام الدين وحجج الإسلام وقلما كتبت إجازة منذ نصف قرن إلى اليوم ولم تصدر باسمه الشريف.
وقال في موضع آخر: ترك شيخنا آثارًا هامة فما رأت عي الزمن نظيرها في حسن النظم وجودة التأليف وكفى بها كرامة له، ونعود إلى حديثنا الأول فنقول: لو تأمل إنسان ما خلفه النورى من الأسفار الجليلة، والمؤلفات الخطيرة التي تموج بمياه التحقيق والتدقيق وتوقف على سعة في الاطلاع عجيبه.
لم يشك في أنه مؤيد بروح القدس. وقال في الهامش عند بدء ترجمته: ارتعش القلم بيدي عندما كتبت هذا الاسم واستوقفني الفكر عندما رأيت نفسي عازمًا على ترجمة أستاذي النورى، وتمثل لي بهيئته المعهودة بعد أ، مضى على فراقنا خمس وخمسون سنة، فخشعت إجلالًا لمقامه ودهشت هيبة له، ولا غرابة فلو كان المترجم له غيره لهان الأمر، ولكن كيف بي وهو من أولئك الأبطال غير المحدودة حياتهم وأعمالهم، أما شخصية كهذه الشخصية الرحبة العريضة فمن الصعب جدًا أن يتحمل المؤرخ الأمين وزر الحديث عنها. اهوالعجيب أن الطهراني حاول سخفًا وزورًا أن يقول بأن النورى لا يقصد من كتابه التحريف والنقصان في القرآن الكريم. وهذا من تدليس الروافض وكذبهم وقراءة عابرة لكتاب النورى توضح للقارئ زيف وبطلان هذا الكلام. والأسخف من الطهراني الخاقاني في كتابه"مع الخطوط العريضة"ص 33 حيث وصف النورى بالمجتهد الذي أخطأ وأن المجتهد إذا أخطأ له أجر على اجتهاده.
وكذلك الطباطبائي في تعليقه على الأنوار النعمانية ج 2 ص 324 حين زعم أن النورى لم يصنف الكتاب عن اعتقاد وإنما حرضه خصوم الشيعة فيقول:
لم يكن غرضه اعتقاد التحريف وكيف كان ما أجاد في تأليفه ولا وافق الصواب في جمعه وليته لم يؤلفه وإن ألفه لم ينشره (لئلا يشنع على الشيعة بذلك ويقع في ايدي أعداء الشيعة ويريد أن يكون محصورًا بين علمائهم) وقد صار ضرره أكثر من نفعه (لأنه وثيقة هامة تدين الشيعة بالتحريف) بل لا نفع يتصور في نشره فإنه جهز السلاح للعدو وهيأه وأداه إلى خصماء الإسلام. واستمع إلى المبرر الذي هو أسخف من قائله حيث يقول المحقق العظيم: ويقال (من الذي قال؟) إن بعض أعداء الدين وخصماء المذهب (الشيعي) حرضه على تأليف ذلك الكتاب (فصل الخطاب) وهو رحمه الله لم يشعر بذلك الغرض الفاسد.
وعلى فرض أن بعض أعداء الشيعة - وهو بعيد جدًا لأنه ألفه بما رآه من ضروريات المذهب وقول أكثر علمائه - حرضه على تأليف الكتاب فلماذا عندما انتقد بعض علماء الشيعة كتابه ألف كتابًا ثانيًا في الدفاع عن كتابه الأول وهذا يدل على اعتقاد النورى بكل حرف ورد في كتابه. وليس المقام مقام تفنيد الحجج الواهية ولكن مقام تذكير فقط. نقلنا ترجمة النورى التي كتبها الطهراني من مقدمة كتاب النورى"دار السلام فيما يتعلق بالرؤيا والمنام"وكتاب الطهراني طبقات أعلام الشيعة القسم الثاني من الجزء الأول وهو الكتاب المشهور بنقباء البشر في القرن الرابع عشر ص 543 - 549.