ونضرب لذلك مثلًا بمسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة، فقد لوحظ أنه أنشئت لدعوة التقريب بينهما في دار مصر ينفق عليها من الميزانية الرسمية لدولة شيعية، وهذه الدولة الشيعية الكريمة آثرتنا بهذه المكرمة فاختصتنا بهذا السخاء الرسمي، وضنت بمثله على نفسها وعلى أبناء مذهبها، فلم تسخ مثل هذا السخاء لإنشاء دار تقريب في طهران أو قم، أو النجف، وجبل عامل، أو غيرها من مراكز الدعاية والنشر للمذهب الشيعي [1] .
وأن مراكز النشر هذه للدعاية الشيعية صدر عنها في السنين الأخيرة من الكتب التي تهدم فكرة التفاهم والتقريب ما تقشعر منه الأبدان، ومن ذلك كتاب اسمه الزهراء في ثلاثة أجزاء نشره علماء النجف وقالوا فيه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه كان مبتلى بداء لا يشفيه إلا ماء الرجال .. وقد رأى ذلك الأستاذ البشير الإبراهيمي شيخ علماء الجزائر عند زيارته الأولى للعراق [2] .
(1) وهذا الإيثار تكرر منهم في مختلف العصور، والدعاة الذين يرسلونهم لمثل هذه الأغراض هم الذين تحولت بهم العراق من بلاد سنية فيها أقلية شيعية إلى بلاد شيعية فيها أقلية سنية.
وفي عصر الجلال السيوطي حضر من إيران إلى مصر داعية من دعاتهم أشار إليه السيوطي في كتابه"الحاوي للفتاوى"الطبعة المنيرية ج 1 ص 330 وبسبب ذلك الداعية الإيراني ألف السيوطي رسالته"مفتاح الجنة في الاعتصام بالسنة". الخطيب.
(2) ذكر الجزائري في الأنوار النعمانية ج 1 ص 63 ما يقارب هذا ولكن بخبثه ولؤمه نسبه إلى ابن الأثير فقال:
قال: زعمت الروافض أن سيدنا عمر كان مخنثًا كذبوا، ولكن كان به داء دواؤه ماء الرجال.
ومن كذبه الصريح نسبته هذا القول إلى ابن الأثير بدون ذكر كتابه أو موضع ذكره أو حتى من هو ابن الأثير هذا الذي يقصده.
فقد رجعت إلى كتاب"أسد الغابة في معرفة الصحابة"لعز الدين أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري (المعروف بابن الأثير وهو المقصود عادة عند إطلاق ابن الأثير) في ترجمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ج 4 ص 52 - 78 من طبعة جمعية المعارف المصرية سنة 1286 هفلم أجد فيه هذا الكلام. فقلت: ربما أجده في كتابه"الكامل"في التاريخ فرجعت إليه في المجلد الثالث ص 49 - 65 من ترجمة عمر رضي الله عنه - طبعة دار صادر / دار بيروت 1385 ه1965 م فلم أجد فيه شيئًا من هذا الكلام القبيح.
فقلت: ربما قصد به الإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري (م 544 - توفي 606 ه) المعروف بابن الأثير أيضًا فرجعت إلى كتاب"النهاية في غريب الحديث والأثر" (طبعة عيسى البابي الحلبي) لعلي أجد فيه مبتغاي فلم أجد له ذكرًا ولا أثرًا رغم تقليبي الشديد لا وراقة ويحشى عنه في مظانه ومراجعة الهارس الدقيقة التي وضعها المحققان فلم أخرج إلا بخفّي حنين.
والذي يغلب على ظني أن الجزائري لم يجترئ على نسبة القول لقائله من علمائهم فنسبه إلى ابن الأثير - بدون ذكر كتابه أو شيء يدل عليه - وهذا الأسلوب نعرفه منه ومن أمثاله من علماء الروافض فالكذب ديدنهم والتقية دينهم ودين آبائهم ألا لعنة الله على الكاذبين.
أقول: بعد هذا: أتعتبرون قائل هذا الكلام ومطره في كتابه ومحققه الذي لم يعلق عليه بكلمة حول الموضوع - بخلاف عادته حيث يطيل الهوامش بالنقل والتعقيب - من أهل الإسلام؟؟؟ إن كان الجواب بالإيجاب فتبًا لإسلام هذا رجاله وإن كان الجواب بالنفي فغيروا مواقفكم منهم ومن اتباعهم واحذروا من كيدهم ومكرهم ودسائسهم الخبيثة.