وأما الاستدلال بالآية: إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً [آل عمران:28] فإن معناها الأمر بالاتقاء من الكفار. قال البغوي:"ومعنى الآية أن الله نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين، أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان؛ دفعًا عن نفسه من غير أن يستحل دمًا حرامًا أو مالًا حرامًا، أو يظهر الكفار على عورات المسلمين" (4) .
وأما الآية إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ [النحل:106] أي إلا من كان حاله مشرفًا على الخطر، واضطر إلى القول بالكفر فله أن يتقول به من غير أن يعتقد ويعمل به، بل يقول ما فيه تورية ومعاريض مع طمأنينة قلبه بالإيمان، وبحيث لا يشرح صدور الكفار بالمدح الظاهر لهم ولديانتهم، وإنما يلجأ إلى المعاريض التي يكون فيها صادقًا، ولا تؤثر في دينه، كأن يقول لهم إنكم على معرفة، وعندكم تقدم ظاهر، قصوركم عالية وبساتينكم مثمرة، ويريد به أنهم يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة غافلون. قال ابن جرير في معنى الآية، بعد أن ذكر أنها نزلت في عمار بن ياسر رضي الله عنه:"فتأويل الكلام إذن: من كفر بالله بعد إيمانه إلا من أكره على الكفر، فنطق بكلمة الكفر بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، موقن بحقيقته، صحيح على عزمه، غير مفسوح الصدر بالكفر، لكن من شرح بالكفر صدرًا فاختاره وآثره على الإيمان، وباح به طائعًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم" (5) .
(1) انظر: (( فرق الشيعة ) )تعليق (ص 85 - 86) ، وانظر: (( الكافي ) ) (2/ 172) .
(2) (( قضية الشيعة ) ) (ص6) .
(3) انظر: (( تفسير القرآن العظيم ) ) (4/ 13) .
(4) انظر: (( تفسير البغوي ) ) (1/ 292) .
(5) انظر: (( جامع البيان ) ) (14/ 182) .